-->
دروس القانون
404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • Affichage des articles dont le libellé est دروس القانون. Afficher tous les articles
    Affichage des articles dont le libellé est دروس القانون. Afficher tous les articles

    lundi 29 janvier 2018

    الجريمــة الإلكتـرونية وأزمــة الشرعيــة الإجـرائيـة
    الجريمــة الإلكتـرونية وأزمــة الشرعيــة الإجـرائيـة
    الجريمــة الإلكتـرونية وأزمــة الشرعيــة الإجـرائيـة



    يشهد العالم في الوقت الراهن تقدما هائلا تتجلى أبرز مظاهره في التكنولوجيا الجديدة للمعلوميات والاتصالات، ولا شك أن هذه التكنولوجيا الحديثة تقدم للدول وأجهزتها الأمنية الكثير من الإمكانات التي تسهم في رفع كفاءات وتطوير قدرتها على التصدي للجريمة، إلا أن هذا التطور التكنولوجي أدى ويؤدي في الوقت نفسه إلى تطوير وتحديث الجريمة من حيث الأساليب والمضامين، فكل الوسائل التقنية الحديثة تثير مسألة الحماية القانونية لها.
    فظهور المعلوميات أدى إلى بروز مشاكـل قانونية جديدة، أي ظهور ما يسمى بــ " أزمة الشرعيـة الإجـرائيــة"، التي هي مظهر من تمظهرات أزمـة السياسة الجنائيـة بالمغرب. ولما كان القاضي الجنائي مقيدا بمبدأ شرعية الجرائم، فإنه لن يستطيع أن يجـرّم أفعالا لم ينص عليها المشرع، حتى ولو كانت أفعالا مستهجنة، ومهما بالغ المشرع في حماية المراكز القانونية للأفراد في المنظومة الجنائية، فإن نجاحه يظل مرتهنا بمدى فاعلية التنظيم الإجرائي الذي يضمن تحقيق الهدف من العقـاب.
    إن ما أفرزتـه الصدمـة المعلوماتيـة، والتي أربكت المجتمع والمشرع الجنائي، أدت إلـى أفــول أهـم المبادئ المؤثثة لمقتضيات قانون المسطرة الجنائيـة المغربي، وبروز أزمـة ما زالت تلقي بظلالها على التشريع الجنائي الإجرائي المغربي، أربكـت المشرع الجنائي، وغدت المجهودات الفرديـة لكل دولة تقـف عاجزة عن التصدي لهذا النمط المستحدث الذي توصـف أفعاله الإجرامية بأنها عابرة للحدود، والتي يتسم فيها سلوك المجرم المعلوماتي بملكات ذهنية ومهارات تقنيـة، عجزت الآلـة التشريعية على احتوائها ومكافحتها.
    هكـذا قلبت الجريمة الإلكترونية العديد من المفاهيم القانونية السائدة سواء على مستوى القانون الموضوعي من حيث التجريم والعقاب بفعل ازدواجية طبيعتها بين جريمة إلكترونية محضة تستهدف الأنظمة و البيانات الإلكترونية في حد ذاتها، أو كجريمة عادية مرتكبة بواسطة تقنية المعلومات كآلية من أجل التواصل و التخطيط لتنفيذ المشاريع الإجرامية، أو على مستوى القانون الإجرائي بفعل تغلبها على القواعد المسطرية المقررة كأصل عام للبحث و ملاحقة مرتكبي الجرائم العادية و محاكمتهم، مما يتعين القول معه بأن الإجرام المعلوماتي قد أحدث ثورة في فلسفة التجريم و العقاب و الإجراءات الجنائية.
    وإذا كان البحث في مسألة قدرة القواعد الإجرائية التقليدية في ضبط الجريمة الإلكترونية أمرا صعبا فإن الصعوبة تنطلق من إعطاء مفهوم للجريمة الإلكترونية ذاتها ، لذلك يذهب معظم المهتمين إلى القول بأن الجريمة الإلكترونية باعتبارها مظهرا جديدا من مظاهر السلوك الإجرامي لا يمكن تصورها إلا من خلال ثلاث مظاهر ، إما أن تتجسد في شكل جريمة تقليدية يتم اقترافها بوسائل إلكترونية أو معلوماتية ، أو في شكل استهداف للوسائل المعلوماتية ذاتها وعلى رأسها قاعدة المعطيات و البيانات أو البرامج المعلوماتية ، أو أن يتم اقتراف الجرائم العادية في بيئة إلكترونية كما هو الأمر بالنسبة لجرائم الصحافة.
    فلقد أثارت هذه الجريمة بعض التحديات القانونية و العملية أمام الأجهزة المعنية بالبحث عن الجرائم و ضبطها، وخصوصا فيما يخص مباشرة إجراءات البحث والتحري التقليدية في بيئة افتراضية لا مكان فيها للأدلة المادية ، مما أظهر مدى الحاجة إلى تطوير آليات البحث بما يتلاءم و خصوصيات هذه الجرائم ، وجعل مسألة ملاءمة الإجراءات الجنائية في البحث والتحري مع خصوصية الجريمة الإلكترونية تستأثر باهتمام المشرعين في مختلف الدول.
    وتقعيـدا عليه، سنحاول من خلال هذه الدراســة رصـد ملامـح أزمـة الشرعيـة الإجـرائيـة في ضوء تنامي ظاهرة الجرائـم الإلكترونية، ومناقشــة أهم الإشكالات التي تثيرها الجريمة الإلكترونية على المستوى الإجرائي والمتمثلة في قصــور القواعد الإجرائية التقليدية في ضبط الجريمة الإلكترونية ، ولذلك سيتم الانطلاق من الإشكال المركزي التالي:
    إلــى أي حـد ساهـت الجريمــة الإلكترونيــة في بـروز أزمــة الشرعيــة الإجـرائيـة وقصــور القواعد الإجرائية التقليدية في ضبط الجريمة الإلكترونية وعدم قدرتها على استيعاب مختلف إجراءات البحث المنجزة بشأنها ؟
    للإجابــة عن هذا الإشكال المركزي وجملـة من الإشكاليات المتفرعـة عنه، سوف ترتكـز منهجيــة التحليـل في هذا الموضوع وفـق المباحـث التاليــة:

    المبحث الأول : قواعـد الاختصـاص والإثبات الجنائي في المجال الإلكتروني و علاقته بمبدأ الشرعية الإجرائية

    تعـد قواعـد الاختصـاص والإثبات الجنائـي من أهـم المواضيـع التي تثـير غمرة الباحـث في المادة الإجرائيـة، خصوصا إذا كانت لهذه المواضيـع ترابـط بالمجال الإلكتروني، الذي يتسـم بعدم الانضبـاط والتشرذم، مما يجعلنا والحالـة هاتـه أمام أزمـة تخيـم على التشريـع الإجرائي وتجعــل شرعيتـه في مهـبّ الأفـــول.

    المطلب الأول: إشكاليـة الاختصاص في الجرائـم الإلكترونية وملامـح أزمـة الشرعيـة الإجرائيـة
    سنتناول من خلال هذا المطلب مفهــوم الشرعيــة الإجرائيــة في ( فقرة أولى)، على أن نناقـش بعـض مظاهـر قصــور قواعـد الاختصـاص في مواجهــة الجريمـة الإلكترونيــة ( فقرة ثانية) .

    الفقـرة الأولـــى : مفهوم الشرعية الإجرائية
    إذا كانت النصوص الجنائية الموضوعية محكومة بمبدأ "لا جريمة ولا جزاء إلا بنص" فإن القواعد المسطرية الجنائية محكومة بمبدأ " الشرعية الإجرائية " ، والذي يقوم على أساس تحديد الإجراءات الواجب إتباعها خلال مختلف مراحل الخصومة الجنائية، من لحظة وقوع الجريمة وإلى غاية صدور حكم نهائي فيها وتنفيذه، وأن تكون هذه الإجراءات صادرة من الجهة المختصة بذلك .
    فلا شك في أن مبدأ " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص " ، لا يكفي لحماية حرية الإنسان من تعسف السلطة إذا أمكن القبض عليه وحبسه وإدانته دون افتراض براءته وتحميلـه عبئ إثبـات براءته من الجريمة المنسوبة إليه، ويؤدي إلى قصور الحماية التي يكفلها مبدأ الشرعية العقابية، لذلك كان من الضروري أن يكون هناك مبدأ آخر وهو مبدأ الشرعية الإجرائية الذي يفرض أن يكون القانون هو المصدر للتنظيم الإجرائي، وأن يفترض هذا التنظيم براءة المتهم في كل إجراء من الإجراءات التي تتخذ قبله، وأن تخضع جميع إجراءات المحاكمة إلى إشراف القضاء، ويتحدد جوهر الشرعية الإجرائية في افتراض براءة المتهم ، وذلك لضمان حرية الإنسان الشخصية .
    وإذا كان مبدأ الشرعية الإجرائية غير مقرر صراحة في قانون المسطرة الجنائية ، فإن الدستور المغربي لفاتـح يوليوز 2011 كرسه ضمنيا في الفصل 23 منه والذي جاء فيه : " لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون ". ذلك أن قراءة متمعنة لهذا الفصل تفيد ضرورة مراعـاة مبدأ الشرعية الجنائية في شموليته ، ففي عبارة " إلا في الحالات " تجسيد لمبدأ الشرعية الجنائية الموضوعية ، أما عبارة " وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون" فهي تكرس مبدأ الشرعية الجنائية الإجرائية، وهكذا فالمشرع الدستوري ألزم أجهزة العدالة الجنائية أثناء القيام بمختلف الإجراءات المتعلقة بالخصومة الجنائية احترام النصوص المسطرية المنصوص عليها قانونا، ذلك أن إهمال هذه الإجراءات و عدم التقيد بها من شأنه أن يمس بحقوق الأفراد و حرياتهم، وأن يفتح الباب أمام التعسف والتحكم، و هكذا إذن كان لابد من وجود الشرعية الإجرائية تنظيما للإجراءات التي تتخذ ضد المتهم على نحو يضمن احترام حريته الشخصية و صون كرامته الآدمية و ذلك عن طريق اشتراط أن يكون القانون هو المصدر للتنظيم الإجرائي و أن يفترض هذا التنظيم براءة المتهم بالنسبة لكل الإجراءات التي تتخذ ضده، و أن يتوج ذلك بخضوع الإجراءات لضمان القانون، فإذا صدر حكم بإدانة المتهم سقطت عنه قرينة البراءة وأصبح المساس بحريته أمرا مشروعا بحكم القانون .
    إن الغايات التي قرر من أجلها مبدأ الشرعية الإجرائية، لهي غايات نبيلة وذات أهمية عظمى، ذلك أن التقيد بمبدأ الشرعية الإجرائية ، وما يستلزمه من ضرورة الرجوع إلى النصوص القانونية عند القيام بأي إجراء من إجراءات الخصومة الجنائية من شأنه أن يمنع أي محاولة للتعسف أو المس بحقوق الأفراد وحرياتهم، ومن جهة أخرى، لو ترك أمر البحث عن الجناة و تعقبهم و التحقيق معهم و البحث عن الأدلة ووسائل الإثبات و محاكمتهم، وتوقيع الجزاء عليهم ،لو ترك ذلك دون تقييد أو تحديد مسبق من المشرع بنصوص قانونية، لأدى إلى نشوء إجراءات عرفية، قد تختلف من جهة قضائية إلى أخرى، وبالتالي تختلف نوع و حجم الضمانات الممنوحة لأطراف الخصومة الجنائية، مما يشكل خرقا لمبدأ " مساواة الأفراد أمام القضاء ".
    الفقـرة الثانيـــة : إشكاليـة الاختصاص في الجرائـم الإلكترونية
    أمام الطبيعـة الخاصـة التي تمتـاز بها الجريمـة الإلكترونيـة والخصوصيـات المتعددة التي تحيـط بها- ولعـل أهمهـا اعتبـارها جريمـة عابـرة للحـدود- جعلها تستعصي على القواعـد التي تحكـم مسألـة الاختصـاص المكانـي، التي تخضـع لها الجرائـم التقليديـة. فطابعهـا الافتراضـي دفـع بالبعـض لحـد القـول أن الجرائـم الإلكترونيـة لا تتلاءم مـع معيـار محـل وقـوع الجـرم الذي يتـم اعتماده لتمديد المحكمة المختصـة مثـلا، هذا القـول يجـد مبـرره في كـون هذه الجرائـم لا تعترف بالحدود الجغرافيـة والسياسيـة للدول، والـذي تطبـق الدولـة قانونهـا السـاري على إقليمهـا لبسـط سيادتـها وهيمنتهـا، فقـد أصبـح العالـم يواجـه جرائـم تتم في فضـاء إلكتروني معقـد، يتمثـل في شبكـة اتصـال لا متناهيـة الامتداد، ولا تـرى بالعيـن المجـردة ولا تتبـع لأي سلطـة حكوميــة، فالسلـوك المرتكب في الجرائـم الإلكترونيـة يتجاوز المكـان بمعنـاه التقليدي، ولـه وجود حقيقي وواقعـي ولكنـه غير محدد المكـان.
    فالثابت أن موضوع الاختصاص في الجريمة الإلكترونية و في غياب إطار تشريعي يحكمه و ينظمه يتم التعامل معه وفق قواعد الاختصاص المكاني، و هذا ما يطرح جملة من الصعوبات، خصوصا أن مكان ارتكاب الجريمة الإلكترونية و الذي يكون دائما في البيئة الافتراضية غير الملموسة يختلف عن مكان ارتكاب باقي الجرائم التقليدية الأخرى في العالم المادي الملموس، لذلك فإن تطبيق القواعد التقليدية التي تحدد معايير الاختصاص لا تتلاءم مع طبيعة الجريمة الإلكترونية، حيث يصعب تحديد مكان وقوع الفعل الجرمي في هذه الجرائم، فمن الصعوبات التي تطرحها الجريمة الإلكترونية هي الحالات التي يتوزع فيها السلوك المادي للجريمة في أكثر من دولة، كأن يقع السلوك الإجرامي في دولة في حين تتحقق نتيجته الإجرامية في دولة أخرى، ويكون بالتالي قانون كل دولة تحقق فيها أحد عناصر الركن المادي للجريمة قابلا للتطبيق، مما يؤدي إلى تنازع ايجابي في الاختصاص بين أكثر من تشريع وطني و بين أكثر من دولة لملاحقة نفس النشاط الإجرامي، كما في حالة ارتكاب فعل التهديد عبر الرسائل الالكترونية حيث قد يرتكب الفعل المادي في بلد ويتلقاه الضحية في بلد أخر بعد أن تمر في كثير من الأحيان بأكثر من دولة قبل وصولها إلى دولة الاستقبال.
    وعليه يمكن القول أن قواعد الاختصاص القضائي المنصوص عليها في القوانين الإجرائية صيغت لكي تحدد الاختصاص المتعلق بجرائم قابلة للتحديد المكاني، وبالتالي لا ينبغي إعمالها بشأن الجريمة الإلكترونية والتي ترتكب في فضاء تنعدم فيه الحدود الجغرافية، يبقى معها أمر تحديد مكان ارتكاب الجريمة في غاية الصعوبة، الأمر الذي أصبح يتطلب إيجاد قواعد إجرائية تحكم مسألة الاختصاص في هذه الفئة من الجرائم بما يتناسب مع طبيعتها الخاصة.
    وأمام هذا الوضع أصبح الاحتكام إلى معايير الاختصاص المكاني التقليدية متجاوزا أمام الطبيعة العابرة للحدود التي تتميز بها الجرائم الإلكترونية، في ظل ظهور معايير أخرى مرتبطة ببعض الفئات المستهدفة من الجريمة الإلكترونية كما هو الحال في جرائم الصحافة والجرائم المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والجرائم المتعلقة بالأحداث والمرتكبة عبر الفضاء الإلكتروني.
    فلقد أوجدت معايير جديدة لانعقاد الاختصاص تتجاوز المعايير التقليدية التي يتم اللجوء إليه من أجل تقرير ضوابط الاختصاص في مختلف الجرائم العادية الأخرى، وذلك انطلاقا من مجموعة من الاجتهادات القضائية الفرنسية في هذا المجال، هذه المعايير مرتبطة بالخصوص ببعض الجرائم كما أشرنا إلى ذلك وكما هو الحال في جرائم الصحافة المرتكبة في البيئة الرقمية ، حيث أنه من بين المعايير التي ظهرت إلى الوجود والمرتبطة أساسا بهذا النوع من الجرائم، المعيار الذي يعطي الاختصاص لمحل تمركز الموقع الذي نشرت الأقوال أو المعلومات بواسطته، كما ظهرت معايير جديدة ترتبط بالجرائم الماسة بحقوق الملكية الفكرية، كما هو الحال في جرائم التقليد عبر الأنترنيت، حيث يرجع الاختصاص إما لمحكمة المكان الذي ارتكب فيه التقليد وإما مكان نشره، أو معيار إمكانية الوصول للموقع كأساس لاختصاص المحكمة في حالة الاعتداء على حق من حقوق المؤلف من خلال الأنترنيت.
    بالإضافة إلى هذه المعايير تم إيجاد معايير أخرى مرتبطة أيضا بالجرائم المرتكبة ضد الأحداث حيث أن الاختصاص في هذا النوع من الجرائم ينعقد لمكان ارتكاب الجريمة ، و مكان ارتكاب الجريمة هذا يأخذ المعايير التالية و التي يتم تقديمها بالأسبقية وهي:
    - المكان الذي شوهد فيه وجود الموقع غير المشروع أو الذي تم فيه مشاهدة الصور و النصوص ذات الطبيعة غير المشروعة.
    - المكان الذي يوجد فيه خادم الإيواء إذا ظهر بعد المعاينات الأولى أن الموقع يمكن تحديده من خلال التراب الإقليمي.
    المطلـب الثانـي : الإثبات الإلكتروني في الميدان الجنائي وعلاقتـه بمبدأ الشرعيـة الإجرائيـة
    الفقـرة الأولـى: خصوصيــات الإثبات الإلكتروني في الميدان الجنائي
    إن تفحص القواعد العامة للإثبات الجنائي عموما، من ناحية الجهات التي أوكل إليها المشرع المغربي الاختصاص الحصري في البحث والتحري والتحقيق لرصد أغوار وواقع الجرائم المعلوماتية، مازال يعتريه القصور الإجرائي الواضح والشامل للقاعدة القانونية المعلوماتية ، فهي لازالت قاصرة على الإحاطة المسطرية بمسرح الجريمة الإلكترونية لعالم افتراضي دقيق وحساس ومتغير وغير ثابت ووقتي. لكن رغم هذه المعطيات والمعيقات للظاهرة المرصودة وطنيا ودوليا، نثمن الجرأة والحزم والفطنة والتكيف الآني الذي يتعامل به القضاء المغربي في تكييفه لبعض الجرائم المعلوماتية والمعطيات الإلكترونية، طبقا للقواعد العامة المضمنة في القانون الجنائي، من منطلق الفصول الواردة في الباب العاشر : " المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات " من الفصول 3-607 إلى 11-607 ، أو فصول أخرى تعنى بجرائم أخرى : الفصل 540 المتعلق بجريمة النصب ، الفصول 575 إلى 579 التي تهم بعض الاعتداءات على الملكية الأدبية والفنية ... وغيرها، خدمة للعدالة الجنائية رغم قصور النص القانوني وبروز أزمــة الشرعيـة الإجرائيـة لدى المشرع الجنائي المغربي.
    فإثبات الجرائم الإلكترونيـة تكتنفـه صعوبات جمة ترجع لأسباب عديدة أهمها عدم وجود أثر مادي للجريمة المرتكبة،كما أن الجاني يستطيع تدمير دليل الإدانة في أقل من ثانية، والأكثر من ذلك أن الإجرام المعلوماتي لا يعترف بالحدود إذ أن الجريمة قد تتم من مسافات بعيدة عبر اتصال هاتفي يمكن للجاني من خلاله إعطاء تعليماته للحاسب الآلي، ومما يزيد من استعصاء إثبات هذه الجرائم أن المجني عليهم يحجمون عن الإبلاغ عن وقوعهم ضحية لها، بل حتى في حالة استطاعة السلطات المعنية وضع يدها على البعض منها فإن الضحايا يمتنعون عن مساعدة هذه السلطات أملا في استقرار حركة التعامل ويفضلون إخفاء أسلوب ارتكاب الجريمة مخافة إتاحة الفرصة للآخرين لتقليدها، كما أن الكشف عن الجرائم التي تقع ضحية لها المؤسسات من شأنه الإضرار بها نتيجة ضياع ثقة المساهمين والمتعاملين معها، إذ يظهر لها أن المحافظة على ثقة مساهيمها وعدم زعزعة سمعتها وشهراتها أفيد بكثير من الإبلاغ عن بعض الجرائم التي ترتكب ضدها، وقد لا تجني شيئا من وراء تقديم شكايات بشأنها لصعوبة إثباتها ولاستحالة العثور على مقترفيها، ولذلك يبقى من الأفضل بالنسبة إليها تسوية المشكل داخليا حتى ولو كلفها الأمر التضحية بمبالغ مالية كبيرة،أضف إلى ذلك أن مقترفي هذا النوع من الجرائم لا يخضعون لأي مراقبة قبلية أثناء إقدامهم وتصميمهم على ارتكابها، فغياب هذه المراقبة والتطور السريع الذي يعرفه مجال المعلوميات يساعد في ذلك.
    إلى جانب ذلك فإن المعطيات المتداولة من صوت وصورة وكتابة، سواء اتخذت شكل تجميع للمعطيات أو برامج حاسوب تتمثل كلها في أنظمة التشغيل في شكل إلكتروني يتجسد في وحدات حسابية وفي أنظمة التطبيق، تندثر بسهولة فائقة إذ يكفي الضغط على زر في لوحة الاستخدام لزوال ملفات أو قواعد معطيات وأنظمة بأكملها، من هنا تأتي مشكلة ضبط هذه المعلومات وإحرازها في شكل إلكتروني ووضعها في قالب قانوني لاستغلالها في الإثبات، وإذا كانت بعض التجهيزات تسمح بالوصول إلى هذه المعطيات التي يبقى في ذاكرة الحاسوب المستعمل إلا أنها تتطلب خبرة عالية، وينضاف إلى هذا مشكل الولوج إلى بعض المعلومات المحفوظة تحت رقم أو رمز سري أو المشفرة كليا، أما المستندات والوثائق التقليدية من أوراق مطبوعة أو كتابات خطية أو حتى دعامات إلكترونية من أقراص صلبة أو مرنة التي قد تساعد في تذليل صعوبات الإثبات، فإنها لا تتاح دائما لاسيما في مواجهة أشخاص سيئ النية أو مجرمين متمرسين،فعلاوة على لجوء هؤلاء إلى تطهير المحيط الذي يعملون فيه، فهم يعمدون دائما إلى حفظ المعطيات ياستعمال أرقام أو رموز سرية أو حتى استعمال تقنية التشفير، كما أن المعالجة الآلية للمعطيات في الملفات الإلكترونية أو المخزنة في ذاكرة الحاسوب والتي يتم حجزها يمكن أن تشكل عائقا أمام نسبة معطيات إلكترونية إلى شخص محدد بعينه بشكل يقيني، فالبصمات أو الآثار الشخصية أو التوقيع إن كان هناك توقيع أو بصمات فلا تدل على شخص معين، لأن هذه الآثار الشخصية لا تكون مجسدة ماديا أو حتى إلكترونيا في كثير من الأحيان بقدر ما يستدل عليها بقرائن الأحوال كحيازة حاسب آلي أو القن أو الرقم السري للولوج إلى المعلومات أو لاستخدامه،وأيضا التوفر على المهارة التقنية للقيام ببعض التطبيقات المعقدة أو للهجوم على قاعدة المعطيات أو على نظام.
    وعلى صعيد آخر فالمعطيات التي تعتبر أداة للجريمة وموضوعا لها، وأحيانا نتيجة متحصلة هي من الهشاشة، بحيث تكفي عملية نقر على رمز لمسح وإزالة المعطيات التي يمكن اعتمادها في الإثبات، كما أن شبكة الأنترنيت توفر لمستعمليها هامشا كبيرا من الحرية للبقاء في الظل ما دامت لا تتطلب التعريف بهوية القائمين بإحداث مواقع إلكترونية أو مستعملي خدمات البريد الإلكتروني، وحتى في مجال التجارة الإلكترونية التي يفترض فيه تعريف الطرفين البائع والمشتري كل واحد منهما بنفسه بالشكل الكافي لأداء الثمن عبر الشبكة بصورة إلكترونية فهو أمر ليس مضمونا دائما في مجال المعاملات عن طريق الأنترنيت بسبب تفشي أعمال سرقة الهوية أو انتحالها أو استعمال هويات لإيقاع الغير بالغلط.
    ولعل قرصنة بطائق الغير البنكية وأرقامها، والأمر بتحويل الأموال من حساب بنكي لآخر، وسحب الأرصدة المالية للغير خير دليل على ذلك إذ يصعب إثبات هذه الأفعال الجرمية في غالب الأحيان وإن تم اكتشاف مرتكبيها فبعد مشاق عديدة.
    فالحاسوب وإن كان يستخدم في ارتكاب جرائم إلكترونية، فإنه مع ذلك يلعب دورا مهما في اكتشافها وتتبع فاعليها رغم الصفات الإسثتنائية التي يمتازون بها من ذكاء وعلم بليغ بوسائل التكنولوجيا، ذلك أن تحليل معلومات يحتويها جهاز حاسوب أحد المجرمين ساعد على تحديد مكان فندق بالرباط قرصنت به مجموعة من البطائق البنكية بلغ عددها خمسة وأربعين بطاقة، ومكن من التعرف على المستخدم الذي قام بالعملية لفائدة ذلك المجرم .
    وغني عن البيان أن الحاسوب أصبح يشكل الركيزة الأساسية في إنتاج وتداول المعلومات إذ يعتمد في أسلوب عمله على البرنامج الذي يشكل القلب النابض بالنسبة إليه، فهو الذي يوجهه ويحدد مسار عمله وطريقة تنفيذه للأوامر والمعلومات الموجهة إليه، كما أن التطور المستمر والمتنامي الذي تعرفه تكنتولوجيا المعلومات بالموازاة مع النمو السريع الذي عرفته تكنولوجيا الاتصال ساهم بدرجة كبيرة في تعدد أنماط جرائم المعلوميات.

    الفقرة الثانية : علاقـة مبدأ الشرعية الإجرائية بالدليــل الإلكترونــي
    يرتبط الدليل عموما بفكرتي الشرعية والحقيقة، فمن جهة يعتبر الدليل الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة المراد إثباتها أمام القضاء ، ومن جهة أخرى يجب أن يتميز هذا الدليل بكونه مشروعا أي تم الحصول عليه وفق ما يقتضيه القانون، وإذا كان الحصول على الدليل يجب أن يجسد فكرة الانضباط لروح القانون، فإن هناك مجموعة من الأفراد قد يتلاعبون بالأدلة التي قد تثبت إدانتهم فتضيع حقوق الضحايا وتندثر الأدلة ولا يحصلون جراء ذلك على حقوقهم، كما لا يحصل المجتمع باعتباره المتضرر الأكبر من الجريمة على حق في معاقبة الجاني.
    لذلك فإن الموازنة بين حق الفرد المتهم من جهة وحقوق المجتمع من جهة أخرى وبين احترام القواعد الشرعية والقانونية أثناء البحث عن الدليل في البحث الجنائي عموما وفي مجال الجريمة الإلكترونية على وجه الخصوص تعتبر أساس سؤال شرعية الدليل ذاته.
    فالأدلة الإلكترونية الجنائية ھي وسيلة للتوصل إلى الحقيقة، إلا أن الوصول إلى الحقيقة يلـزم أجھزة إنفاذ القانون ضرورة التقيد بالشرعية في تحقيق ھذه الغاية التي يقوم عليھا الإثبات الجنائي. وتجدر الإشارة أن الشرعية تكتسي مدلولا فضفاضا، يتجاوز مفھوم الشرعية الذي يعني مجرد مطابقة الإجراء للقاعدة القانونية المكتوبة، ليشمل فوق ذلك ضرورة أن يكون متوافقا مع مقتضيات الأمانة والنزاھة التي يفترض توافرھا في الشخص القائم بالإجراء.
    ومن المعلوم أن الشرعية في الحصول على الدليل الجنائي بصفة عامة تجد مضمونھا وفكرتھا من عدة مصادر تشمل الاتفاقيات الدولية واجتھادات القضاء التي تستبعد فكرة الدليل المتولد عن إجراء غير مشروع، إلا أن افتراض الشرعية في الحصول على الدليل كأساس للوصول إلى الحقيقة قد يكون سببا معيقا لذلك الوصول، وھو الأمر الذي دفع بالقضاء إلى البحث عن الحقيقة باعتبارھا غاية المشرع من إقرار قواعد الإثبات وأن الأدلة التي لا توصل إلى إقرار الحقيقة لا قيمة لھا ولا تنسجم وإرادة المشرع.
    وقد اختلف الفقه بين مؤيد ومعارض لھذا التوجه الذي استقر عليه القضاء في الأخذ بفكرة الدليل غير المشروع لأن البحث عن الحقيقة يبرر الوسيلة من منظور ھذا الاتجاه الذي يقبل بحقيقة الدليل الإلكتروني الجنائي الذي يتم التوصل إليه بطريقة غير مشروعة، فھاجس ھذا الاتجاه يبقى منحصرا في تحقيق العدالـة، باعتبارها هي غايـة المشرع من النصوص القانونية، لكن هذا الهاجس يتناقـض مع الرأي الذي يقـول أن الإثبات يقتصـر على إثبـات الوقائـع لا بيـان وجهـة نظـر المشرع وحقيقـة قصده، فالبحث يتعلق بتطبيق القانون وتفسيره، وهو عمل تضطلـع به المحكمة لوحدهـا.
    والملاحظ أن معظم التوجھات القضائية وعلى وجه الخصوص الفرنسية بعدما كانت حريصة على مسألة الشرعية في الوصول إلى الدليل الجنائي وذلك استنادا على بعض القرارات الصادرة عنھا، بدأ ھاجسھا ينصب نحو الوصول إلى الحقيقة حتى وإن كانت طريقة تحقيق ذلك غير مشروعة. ومن الأمثلة القضائية التي تأخذ بفكرة الدليل الإلكتروني الجنائي غير المشروع القرار الصادر عن الغرفة الجنائية بمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ الذي جاء فيه “إن التسجيلات المتحصل عليھا بشكل سري لا تنسجم مع مقتضيات المادة 170 من قانون المسطرة الجنائية ومن تم يجب الحكم بإلغاءھا لكن من الممكن أن يتم مناقشتھا أثناء الخصومة". فالقضاء الفرنسي من خلال مقتضيات ھذا القرار اعتبر أن التسجيلات المتحصل عليھا بطريقة غير مشروعة في الأصل يجب الحكم بإلغائھا لكونھا تتناقض مع مقتضيات المادة 170 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية، إلا أنه قبل بالدليل الإلكتروني الجنائي كدليل يمكن مناقشته، مما يفيد أن القضاء الفرنسي بدأ يتجه نحو تكريس الاتجاه الذي يقبل بقيمة الدليل الإثباتية بقطع النظر عن قيمته القانونية. و الملاحظ أن فكرة قبول الدليل الإلكتروني الجنائي الذي يتم التوصل إليه بطريقة غير مشروعة بھدف تحقيق غاية العدالة، يكرس لا محال النظرية الفقھية المتطرفة التي يصطلح عليھا بنظرية القانون الجنائي للعدو ،حيث تتحصل ھذه النظرية في ضرورة معاملة المجرمين لا كموطنين خرجوا عن جادة الصواب، وإنما كأعداء يجب توقي شرھم بأية طريقة كانت ومھما كلف ذلك من ثمن دون التقيد بمفھوم الشرعية الموضوعية والإجرائية.
    وصفوة القول أن التوجه الذي يقبل بفكرة الدليل الإلكتروني الجنائي المتحصل دون التقيد بالشكليات الإجرائية يعكس لا محال الخرق الصريح لمبدأ الشرعية الإجرائية ويمس بضمانات المحاكمة العادلة الذي تدافع عنه معظم المواثيق الدولية، ويتناقض مع المبادئ التي تقرھا نفسھا القوانين الإجرائية و المتمثلة في ضرورة خضوع أي إجراء تقوم به جھات البحث والتحري لروح ومضامين القانون وإلا اعتبر باطلا. كما أن ھذا التوجه يعبر بشكل جلي عن مدى القصور الذي يشوب الدليل الجنائي بصفة عامة و الدليل الإلكتروني الجنائي بصفة خاصة عن إثبات بعض الجرائم عندما يتقيد بالشرعية، ولذلك فمھما اتسم الدليل الإلكتروني الجنائي بنفس الخصائص و السمات التي تميز الجريمة الإلكترونية كجريمة غير مرئية لا تجد ضالتهـا إلا في عالم افتراضي منعدم الحدود، إلا وسيتعارض مع جدار الشرعية الذي يقيده بضرورة الخضوع إلى إجراءات قد تحد من فعاليته وتجعله قاصرا عن إثبات الجريمة.
    وعلى ھدي ما سبق، فحتى يتسم الدليل الإلكتروني بالفعالية في إثبات سواء الجريمة التقليدية أو الجريمة الإلكترونية، لابد وأن يتجرد من فكرة الشرعية وأن يكون الھدف ھو الوصول إلى الحقيقة التي ھي مناط تحقيق متطلبات العدالة وإرادة المشرع من خلق تلك الإجراءات الجنائية. و لكن مھما تعددت الأسباب الدافعة إلى ترجيح متطلبات العدالة على مفھوم الشرعية، فإن العدالة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحقق إلا من خلال تقيد جھات إنفاذ القانون بمفھوم الشرعية، لأن الھدف الأساس من وضع النصوص القانونية قبل تحقيق متطلبات العدالة ھو احترام تطبيق تلك النصوص على أرض الواقع، والتي تعبر ھي أخرى عن إرادة المجتمع، فقواعد العدالة تأبى أن تتأسس على إجراءات لا تتسم بالشرعية، لأن في اطمئنان الأفراد إلى صحة الإجراء ما يجعله يثق في القضاء والعدالة، وفي حالة الاستناد على إجراءات غير صحيحة فإن ھذا التوجه يفقد الأفراد ثقتھم في القضاء. وھذا الموقف الذي ندافع عنه ھو الذي تم تكريسه في أحد القرارات الصادرة عن محكمة النقض المصرية في 09/04/1973، حيث جاء فيه: "إن إفـلات مجرم من العقاب لا يضر العدالة بقدر ما يضرھا الاقتيات على حريات الناس والقبض عليھم بدون وجه حق".

    المبحث الثاني : الجوانب الإجرائية المتعلقة بالبحث والتحري عن الجريمة المعلوماتية ومدى ملاءمتها مع مبدأ الشرعيـة الإجرائيـة

    المطلب الأول : الجوانب الإجرائية المتعلقة بالبحث والتحري عن الجريمة المعلوماتية

    أقرّت اتفاقية بودابست التي تم إقرارها بتاريخ 23 نونبر 2001، مجموعة من القواعد الإجرائية الخاصة بمرحلة البحث والتحري عن الجريمة المعلوماتية ضمن أحكام المواد 16 إلى 21 منها، التي يتضح من خلال مطابقتها مع القواعد الإجرائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية والمقررة لكافة الجرائم أن هذه الأخيرة تتسع لتشمل في تطبيقها الجريمة المعلوماتية مع ضرورة إدخال بعض التعديلات على أحكامها.
    وتتجلى أهم صور التطابق ولو بشكل نسبي من خلال مقتضيات المادتين 16 و 17 من اتفاقية بودابيست المتعلقة بسرعة التحفظ على بيانات الكومبيوتر المخزونة، والتي تدعو الدول الأطراف إلى ضرورة اتخاذ ما يلزم من تدابير لطلب التحفظ الإستعجالي على بيانات الكومبيوتر، وإلزام الشخص الوجودة بحوزته البيانات على حفظ سلامة بياناتها والكشف الجزائي لها مع الالتزام بالمحافظة على سريتها.
    فبالرجوع إلى أحكام قانون المسطرة الجنائية المغربي نجده قد ألزم في المادة 57 ضباط الشرطة القضائية، بالانتقال في الحال إلى مكان ارتكاب الجريمة وإجراء المعاينات المفيدة والحفاظ على الأدلة القابلة للاندثار، وعلى ما يمكن أن يساعد على إظهار الحقيقة وحجز الأدوات التي استعملت في ارتكاب الجريمة أو التي كانت معدة لارتكابها، وكذا جميع ما قد يكون ناتجا عن هذه الجريمة بغض النظر عن طبيعة هذه الأخيرة، مع إلزام كل شخص ساهم في الإجراءات أثناء البحث أو التحقيق بالحفاظ على السرية تحت طائلة العقوبات المقررة في مجموعة القانون الجنائي.
    وبخصوص مقتضيات الفصل 19 من اتفاقية بودابيست المرتبطة بتفتيش ومصادرة بيانات الكومبيوتر المخزنة ، التي أوصت على ضرورة تأمين عملية التفتيش والدخول على أي نظام كومبيوتر أو جزء منه موجود في مكان آخر بإقليم الدولة، زيادة على منح السلطات المختصة صلاحية الضبط والتأمين للبيانات وأخـذ نسخة منها والاحتفاظ بها أو جعلها غير قابلة للدخول عليها أو حذفها من النظام. فإننا نجد ما يطابقها ضمن مقتضيات المادتين 59 و 60 من قانون المسطرة الجنائية، إذ نصت المادة 60 من قانون المسطرة الجنائية على مقتضيات عامة تنظم التفتيش كإجراء تخضع له كافة الجرائم بغض النظر عن طبيعتها بما فيها الجريمة المعلوماتية في حين منحت المادة 59 من نفس القانون لسلطات البحث والتحري صلاحية حجز الأوراق والوثائق أو أشياء أخرى في حوزة الأشخاص أو المستندات والأشياء المتعلقة بالأفعال الإجرامية، رغم أن بعض التشريعات المقارنة ذهبت صراحة إلى التنصيص على حجز البيانات المخزنة في أنظمة الكمبيوتـر كالتشريع الفرنسي والبلجيكي.
    غير أنه إلى جانب حالات التطابق ولو بشكل نسبي وفق ما هو مشار إليه في القانون الوطني، خاصة ما يرتبط بأحكام المادة 18 من الاتفاقية الخاصة بمنح السلطات المختصة صلاحية إصدار الأوامر إلى الأشخاص لتقديم البيانات الموجودة على الكومبيوتر الذي بحوزتهم أو تحت سيطرتهم، كما يظهر أيضا عدم التطابق على مستوى مقتضيات المادتين 20 و 21 من الاتفاقية المتعلقتين على التوالي بصلاحية السلطات المختصة في التجميع الفوري لبيانات الكومبيوتر من خلال جمع أو تسجيل أو إجبار مقدم الخدمة في نطاق قدرته الفنية على جمع أو تسجيل البيانات المرتبطة باتصالات معينة (المادة 20)، وصلاحية الاعتراض على محتوى البيانات المذكورة (المادة 21)، إذ يتضح من خلال الرجوع إلى أحكام قانون المسطرة الجنائية المغربي أنها لم تنظم التجميع والاعتراض على البيانات، بل الأبعد من ذلك ذهب المشرع المغربي إلى تجريم كل اعتراض للبيانات ضمن أحكام الفصلين 232 و 448 من مجموعة القانون الجنائي.
    المطلب الثاني : مظـاهـر قصـور تقنيات البحث والتحقيـق المعتمدة في مواجهة الجرائـم الإلكترونيـــة
    لما كانت الجرائم الإلكترونية تتسم بحداثة أساليب ارتكابها وسرعة تنفيذها وسهولة إخفاء معالمها ودقة وسرعة محو آثارها، فقد ظهرت نتيجة عنها جملة من الصعوبات والإشكالات العملية التي تعرقل وتقف كحجر عائق أمام أجهزة العدالة في مواجهتهم لهذه الطائفة من الجرائم، و لاسيما أجهزة البحث و التحري، والتي تعمل من أجل استيفاء الدليل الإلكتروني، إذ أصبحت هذه الأخيرة تواجه مشاكل وصعوبات إجرائية أثناء مباشرة مهامها للكشف عن هذا النوع من الجرائم وملاحقة مرتكبيها وتقديمهم للعدالة.
    أمام هذا الوضع ثـار النقاش حول ما إذا كان بالإمكان الاكتفاء بالقواعد الإجرائية العادية للبحث عن الجريمة الإلكترونية، أم أن الأمر يتطلب وضع قواعد إجرائية خاصة بها تنسجم مع خصوصيتها وطبيعتها، حيث أشار بعض المهتمين إلى أن القواعد الإجرائية المتعلقة بالبحث و التحري عن الجرائم في شكلها التقليدي هي قواعد لا تخص جريمة معينة دون أخرى، بل هي قواعد عامة يمكنها أن تنطبق على كافة الأفعال المخالفة للقانون الجنائي بما فيها الجريمة الإلكترونية والتي تبقى و تظل وإن اختلفت عن غيرها من الجرائم سواء من حيث طبيعتها أو خصائصها، خاضعة من حيث المبدأ للقواعد العامة التي تسري على جميع الجرائم، كما أن البحث في الجرائم الإلكترونية يأخذ بجميع عناصر البحث و يمر بذات المراحل الفنية والشكلية المتبعة في الجرائم التقليدية لاحتمال ارتباطها بمختلف أنواع الجرائم الأخرى، و بالتالي فبوسع أجهزة العدالة أن تستعمل القواعد الإجرائية القائمة في تعاملها مع الجرائم الإلكترونية، فهذه القواعد القائمة لم تغيرها أو لم تؤثر فيها الجرائم الإلكترونية، فقط ينبغي تطوير بعض المفاهيم وتناولها بطريقة قانونية.
    كما سار البعض الآخر في نفس السياق واعتبر بأن القوانين الإجرائية الحالية تتضمن مجموعة من المقتضيات العامة التي يمكن أن تسري أو تنسحب على الجريمة الإلكترونية، إنما تحتاج فقط إلى بعض التعديلات لتضفي على إجراءات البحث و التحري في هذا النوع من الجرائم نوعا من الخصوصية تلاءم طبيعة هذه الجريمة التي تتميز بخصوصية و ذاتية متميزة عن باقي الجرائم.
    وبالرجوع لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية نجده خاليا من كل المقتضيات التي تسعفنا في البحث والتحري فيما يتعلق بالجرائم التي تقترف في البيئة الإلكترونية، وهكذا يجوز لنا التسـاءل عن مدى شرعيــة التوسّـل بالقواعد الإجرائيـة التقليديـة في عمليـة البحـث والتحـري في الجرائـم الإلكترونيـة؟
    إن أول ما يلاحظ علـى التشريع الإجرائي الجاري به العمل هو أن المشرع المغربي أوكل للشرطة القضائية مهمة البحث والتحري في الجرائم وفق المقتضيات العادية، إلا أن تلك المقتضيات لا تفي بالغرض المطلوب متى تعلق الأمر بالجرائم المعلوماتية، والعلة في ذلك أن البحث في تلك الجرائم يتطلب مجمعة من المهارات والأساليب التقنية والفنية التي لا يتمتع بها ضباط الشرطة القضائية في ظل المنظومة التشريعة الحالية، فهل يمكن القول في ظل هذه الوضعية أن هناك فراغ تشريعي على مستوى وسائل وتقنيات البحث في الجرائم المعلوماتية بالمغرب ؟
    إن الحديث عن الفراغ التشريعي يقتضي بالضرورة التفصيل في مجموعة من الإجراءات التي يتعين على المشرع تنظيمها بالشكل الدقيق الذي يمكن الأجهزة المكلفة بالبحث والتحري عن الجرائم من القيام بمهامها، ويمكن النظر في تلك الآليات القانونية المطلوبة من وجهات نظر متعددة وعلى رأسهـا :
    - ضرورة إعادة النظر في مجموعة من المفاهيم التي تؤطر عمل الشرطة القضائية والنيابة العامة إن اقتضى الحال، ومن تلك المفاهيم حالة التلبس.
    - ضرورة إعادة تنظيم بعض الإجراءات بما يتلاءم وطبيعة البحث والتحري في الجرائم الإلكترونية .
    - ضرورة وضع طرق وكيفية حفظ الأدلة وطرق عرضها على المحكمة.
    - ضرورة إعادة النظر في الصفة الضبطية لرجال الشرطة القضائية ذاتهم فيما يتعلق في البحث عن الجريمة المعلوماتية.
    - ضرورة تطوير التعاون الدولي، بما يتلاءم وتطور الجريمة المعلوماتية.
    - ضرورة وضع قاعدة بيانات محصنة بشأن صور الجرائم المعلوماتية بغرض تطوير الترسانة الجهوية والمحلية من أجل توضيح الرؤى فيما يتعلق بآفاق رفع التحدي الذي تطرح الجرائم المقترفة في البيئة المعلوماتية.
    هكـذا يمكن القول أن شرعية الإجراءات تقتضي أن تكون إجراءات البحث عن الأدلة وجمعها موافقة ومحددة وفق القانون ولا تخرج عن روح نصوصه، وبالتالي فإن التوسع في مباشرة إجراءات أو في تفسير هذه الإجراءات المقررة فإنه يهدد حقوق وحريات الأفراد، لذلك فإن النصوص الخاصة ببعض الإجراءات بمفهومها التقليدي لا ينبغي إعمالها بشأن الجريمة الإلكترونية مباشرة، باعتبار أن هذه النصوص تمثل قيدا على الحرية الفردية، ومن ثم يصبح القياس على الأشياء المادية محظورا لمنافاته الشرعية الإجرائية.

    mardi 14 novembre 2017


    مجموعة من نماذج امتحانات مباريات المحاماة بالمغرب


     الطلبة المقبلين على مباراة الاهلية للمزاولة مهنة المحاماة أقدم لكم مجموعة من نماذج مباراة المحاماة السابقة و التي نتمنى ان تساهم في تقديم الاضافة المفيدة قصد التهيئ الجيد للهذه المباراة .
    هذه مجموعة من نماذج مواضيع الامتحانات السابقة لمهنة المحاماة
    *********
    مواضيع في الثقافة العامة
    موضوع عام حول الهجرة نحو الخارج –
    العولمة واثرها على مهنة المحاماة –
    مواضيع في القانون المدني أو القانون التجاري
    -الإثراء على حساب الغير
    التعاقد بين الغائبين –
    آثار الحكم القاضي بفسخ مخطط الإستمرارية في مساطر – صعوبات المقاولات –
    التقادم –
    مواضيع في القانون الجنائي
    السلطة التقديرية للقاضي في تحديد العقوبة –
    التدابير الوقائية
    نمودج مباراة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة ـ 20 نونبر 2011‏
    القانون المدني : الإثراء بلا سبب ،شروطه و أثاره
    القانون الجنائي: العقوبات أنواعها و طرق تنفيدها
    موضوع عام:
    “وعلى غرار مبادرتنا للمفهوم الجديد للسلطة الهادف لحسن تدبير الشأن المحلي، فقد قررنا أن نؤسس مفهوما جديدا لإصلاح العدالة، ألا وهو القضاء في خدمة المواطن” من خطاب صاحب الجلالة محمد السادس بمناسبة إفتتاح السنة التشريعية 2010ـ2011
    علق على هذا المفهوم الجديد لإصلاح العدالة.
    *********
    امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة بتاريخ فاتح مارس 2015

    تم تصغير هذه الصورة. إضغط هنا لرؤية الصورة كاملة. الحجم الأصلي للصورة هو 650 * 383.

    سؤال المادة الجنائية : 
    بعد أن ضبط المشتبه فيه بالقتل في حالة تلبس ، قامت الشرطة القضائية بإنجاز محضر واحالته على النيابة العامة .

    - تحدث بشأن الحراسة النظرية المعتمدة في مثل هذه الأحوال ؟
    - تحدث عن أنواع القتل الممكن التكييف بها ؟
    - ماهي المسطرة التي يتعين سلوكها حسب التكييف المعتمد ؟


    سؤال المادة المدنية :
    حضت السيدة " مرة بنت سعيد " إلى مكتبك و أخبرتك بأنها وضعت مولودا من علاقة غير شرعية مع " عاصي بن مسكين " و طلبت منك بصفتك محاميا رفع دعوى باسمها نيابة عن ابنها ضد عاصي بن مسكين باعتباره مسؤولا عن المولود ، و ذلك قصد الحكم عليه بالقيام بشؤونه المادية إلى غاية بلوغه سن الرشد القانوني .
    و قد أمكنك بالرجوع إلى قانون الالتزامات و العقود الوقوف على مقتضيات الفصل 77 منه الذي ينص على ما يلي : " كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر."

    أولا : ما هو نوع المسؤولية التي يمكن أن يتحملها عاصي بن مسكين ؟
    ثانيا : ما هي المسطرة التي يتعين عليك سلوكها للقيام بما كلفتك به مرة بنت سعيد ؟


    سؤال في المادة الإدارية :

    المسؤولية ( شخص القانون العام ) على أساس الخطأ وبدون خطاء .

    حلل وناقش ؟

    سؤال الثقافة العامة :

    ماهي في رأيك الصفات التي يجب أن يتحلى بها المحامي الناجح ؟

    lundi 13 novembre 2017

    مقدمة 
     سعيا منه ومواكبة التطورات الذي يشهدها المغرب

     في السنوات الأخيرة وفي جميع المجالاتلاسيما المتعلقة منها بكافة المعاملات المدنية والتجارية والعقارية بشكل خاص، عمل المشرع على تحديث منظومته القانونية سيرا وهذا التطور الحاصل وما إخراج قانون التوثيق الجديد32.09 إلا لخير دليل على ذلك خصوصا وللدور الذي أنيط بالموثق في حفظ حقوق المتعاقدين وضمان استقرار معاملاتهم، بفعل الخدمة الجيدة والصبغة الرسمية التي يضفيها على تعاقداتهم وتوفيره عدالة وقائية للعقد التوثيقي، هدفها تحقيق امن توثيقي تعاقدي للمتعاقدين وتوقي حدوث النزاع حول حقوقهم حاضرا ومستقبلا أمام العدالة الرسمية، وتعزيز ثقة هؤلاء في العقد الرسمي وما يوفره من ضمانات في تنمية تعاملاتهم بل وهدفا في تنمية الاستثمارات سواء منها الوطنية او الأجنبية[1].
    إن تحقيق الموثق لهذه الأهداف من رسمية للعقود وإنشاء عقد فاعل يحقق أحسن النتائج، رهين بمدى احترام الموثق لالتزاماته المهنية القانونية والعقدية عند تحريره للعقود وعلى طول مراحل إنشائه بدءا من تلقيها وأثناء تحريرها وصولا إلى ما بعد تحريرها وإعطائها الصبغة الرسمية .
    ومن المعلوم أن الالتزامات المهنية للموثق والالتزام بصفة عامة في ميدان المعاملات هو تلك الرابطة القانونية التي تجمع بين شخصين احدهما دائن والأخر مدين في إحداث اثر قانوني يرتب على المدين تجاه الدائن التزاما بنقل حق عيني أو القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل، هذه الالتزامات التي عمل الفقه على تقسيمها إلى عدة أنواع لتبقى من أهم تقسيماتها تلك المتعلقة بالالتزام بتحقيق نتيجة والذي يتمثل في التزام المدين بتحقيق الغاية سواء بدل العناية اللازمة أو لم يبدلها مع إلزامه بأداء التعويض مالم يثبت السبب الأجنبي الذي حال دون تحقيق النتيجة،أو الالتزام بوسيلة ويعني ذلك الالتزام الذي يبدل فيه المدين كل جهده سواء تحققت النتيجة أم لا وذلك بحسب طبيعة الجهد المتفق عليه أو الذي يستلزمه القانون أو بحسب طبيعة المعاملة،[2]وهو ما ينطبق على عمل الموثق الذي تتعدد التزاماته العقدية القانونية والمهنية نتيجة للخدمة التوثيقية التي يقدمها للزبناء وفي تهييئ عقد رسمي يحقق أحسن النتائج لتعاملاتهم.
    لكن برجوعنا إلى التزامات الموثق نجد قانون التوثيق رقم 32.09، أناطه بعديد الالتزامات سواء قبل أو أثناء أو بعد تحريره للاتفاقات، وعلى طول المراحل التي يمر منها العقد التوثيقي تتعدد التزاماته فتكون أحيانا التزاماته مجرد وسيلة، وفي أحيان أخرى تكون التزاماته  تحقيق نتيجة للمتعاقدين، التزامات تدور بين التزامه التعاقدي على اثر الخدمة التي يقدمها للأطراف وبين التزاماته القانونية في توفير امن توثيقي لعقود الأطراف، والقول بالتداخل في التزامات الموثق بين الوسيلة والنتيجة هو ما يطرح صعوبة تكييف التزاماته، هل تجمع بين الالتزامين أم تقتصر على تحقيقه للنتيجة أم مجرد وسيلة لتحقيق نتيجة للعقد التوثيقي؟.
    إن الصعوبة في تكييف الالتزامات المهنية للموثق تجاه العقد والأطراف المتعاقدة نتيجة تداخل التزاماته هو ما يظهر أهمية الموضوع النظرية والعملية، إذ الأهمية الأولى تتجلى في معرفة الأطراف لنوع التزاماته مما سيمكنهم من اتخاذ احتياطاتهم اللازمة عند وضع معاملاتهم لديه، الشيء الذي سيمكن من معرفة مصدر التزاماته في كونها تنشا عن التعاقد المبرم بينه وبين زبنائه، أو ترجع إلى التزاماته القانونية المهنية، كل ذلك أدى إلى تضارب النصوص القانونية بخصوص هذه الالتزامات والصعوبة في تقرير أي منها لدى المشرع المغربي وعديد التشريعات المقارنة لا سيما في الحالات التي تثار فيها مسؤولية الموثق، أما عن الأهمية العملية فان الصعوبة في تكييف هذه الالتزامات الناتجة عن تداخلها وتعدد الخدمات التي يقدمها الموثق للمتعاقدين تصعب من مأمورية القاضي في تقرير مسؤولية الموثق وعلى أي أساس خاصة عندما يتعلق الأمر بعقود أجنبية الشيء الذي أدى إلى تضارب الاجتهادات القضائية كنتيجة لتداخل التزاماته وصعوبة تكييفها.
    ويمكن القول أن مسالة تكييف الالتزامات المهنية للموثق لقيت باهتمام عديد فقهاء ورجال القانون وكذا المهنيين، نظرا للإشكالات التي كانت ولازالت تطرحها الشيء الذي كان مثار خلاف فقهي فانعكس ذلك على العمل القضائي التي تضاربت أحكامه وقراراته في هذا الشأن لاسيما في الحالات التي تثار فيها مسؤولية الموثق عن أخطاء ارتكبها أثناء تحريره للعقود.
    وبالتالي فالموثق أنيطت به عديد الالتزامات وجملة من الإجراءات  التي تتداخل فيما بينها، وعلى طول المراحل التي يمر منها العقد التوثيقي بدءا من تلقيه لها  وأثناء تحريرها وصولا إلى ما بعدها تحقيقا لأمن تعاقدي يرتبط أساسا بجودة الخدمات التوثيقية والرسمية التي يضفيها على تعاملات المتعاقدين،والتي ما يعتبر منها التزاما منه بوسيلة ومنها ما ينحصر في التزامه بتحقيق نتيجة الشيء الذي يطرح مسالة وصعوبة تكييفها.
    انطلاقا من الصعوبة في تكييف هذه الالتزامات والإشكالات التي تطرحها عند عرض النزاع على القضاء، وصعوبته في مساءلة الموثق وعلى أساس أي التزام سيقرر ذلك، ولقلة الكتابات القانونية التي تناولت الموضوع، كل ذلك دفعنا لدراسة النصوص القانونية مع محاولتنا تحليلها وتمييز التزامات الموثق وذلك من خلال التصميم الآتي ذكره:
     
           المبحث الاول: تكييف الالتزامات المهنية للموثق كالتزام بوسيلة على ضوء ق 32.09 ودورها في حماية حقوق المتعاقدين.
          المبحث الثاني: تكييف الالتزامات المهنية للموثق كالتزام بتحقيق نتيجة على ضوء ق 32.09 ودورها في حماية حقوق المتعاقدين.         
            المبحث الاول: تكييف الالتزامات المهنية للموثق كالتزام بوسيلة أو عناية على ضوء ق 32.09 ودورها في حماية حقوق المتعاقدين.
            لقد حدد مشرع القانون 09-32 المنظم لمهنة التوثيق مجموعة من الالتزامات المهنية الملقاة على عاتق الموثق لتبقى من اهمها التزاماته ببدل عناية، وذلك باستخدامه لكل الوسائل المتاحة ومتسلحا في ذلك  بنصوصه القانونية وأخلاق مهنته، نحو تهييئ عقد فاعل يضمن حقوق المتعاقدين وذلك قبل تحريره للعقود كالتزامه بتقديم النصح والإرشاد للأطراف المتعاقدة "المطلب الاول"وقيامه بالتحريات اللازمة للوقوف على الوضعية القانونية للعقار"المطلب الثاني".
    المطلب الاول: التزام الموثق القانوني بإسداء النصح للأطراف المتعاقدة قبل توثيقه العقود
    إنه وفي مقدمة الواجبات الأخلاقية التي تربط الموثق بزبنائه التزامه بتقديم النصيحة والإرشاد للزبون ولطرفي العلاقة التعاقدية، بهدف مساعدتهم على تفادي الوقوع في المحضور وعن ما يترتب من مسؤولية الموثق عند إخلاله بهذا الالتزام، الأمر الذي يجعله ملزم بضمان فعالية العقد وبالتبعية ملزم بتقديم النصح تفاديا لتحرير عقد لاجدوى منه ولا فعالية له، وهو ما جاء في احد قرارات القضاء الفرنسي فقضى بأنه يتعين على الموثق بصفته محررا لعقد شراء عقار لغاية تشييد منزل للسكنى ورغم علم المشترين بان هذا العقار غير معد للبناء بشهادة طبوغرافية، أن يوضح للمشترين نتائج هذه الوضعية، وأيضا عدم فعالية هذا العقد[3].
    فالملاحظ إذن أن التزام الموثق بنصح الإطراف إنما هو التزام ببذل عناية حسب ما جاء  في المادة 37 من قانون التوثيق.32.09،  إلا أن هذا الالتزام لا يرمي إلى تحقيق غاية معينة بل هو التزام ببذل الجهد للوصول إلى غرض سواء تحقق هذا الغرض أم لم يتحقق بإعطاء الصبغة الرسمية للعقود فهو إذن التزام بعمل ولكن عمل لا يضمن نتيجة إذ المهم فيه أن يبذل الموثق لتنفيذه مقدارا معينا من العناية.
    فالأصل ان يكون هذا المقدار هو العناية التي يبذلها  الموثق ويزيد هذا المقدار أو ينقص تبعا لما ينص عليه القانون أو يقضي به الاتفاق، فمتى بذل الموثق العناية المطلوبة منه، يكون قد نفذ التزامه حتى ولو لم يتحقق الالتزام ببذل عناية. والمقصود بالتزام الموثق بإسداء النصح للمتعاقدين هو ان يقوم أثناء عملية التعاقد بإطلاعهم على مضمون العقد وآثاره وأن يبين لهم بوضوح التزاماتهم وحقوقهم[4]فهذا النصح ينطوي على مقدار من البيانات يجب أن يطلع الأطراف عليها على أن تكون مصحوبة ببيان للاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منها، كما يلتزم الموثق بإرشاد الأطراف في جميع الأحوال دون النظر إلى معرفتهم أو خبرتهم القانونية فهو التزام مطلق يفرض على الموثق نصح زبنائه مهما كانت درجة خبرتهم أو معرفتهم بالجوانب القانونية الخاصة بالمعاملة ويظل مطلقا حتى في الحالات التي يستعين فيها الزبون بشخص آخر كموثق ثاني أو محام كذلك يبقى الموثق ملزما بنصح زبونه في جميع المراحل التي تمر منها المعاملة وعليه لا يمكن للموثق أن يدفع مسؤوليته بحجة أن الزبون يفترض فيه معرفة المعلومة التي يلوم عدم تزويده بها[5]. في حالة عدم القيام بهذه الأعمال يسأل عنها الموثق والقضاء المغربي[6] أكد بدوره على هذه النقطة حينما عرضت علية قضية تتعلق بتفويت أسهم إحدى الشركات المجهولة الاسم والواقع أن هذه الأسهم كانت قيد الرهن لدى احد البنوك، لكن الموثقة المشرفة على عملية التوثيق لم تطلع الأطراف على وجود هذا الرهن على الأسهم المبيع وقد قضى المجلس الأعلى في قراره رقم 587 في ملف مدني عدد 2482/01/07/2002 الصادر بتاريخ 23 فبراير 2005 بمسؤولية الموثقة لتقصيرها في واجب النصح والإرشاد بالشكل المطلوب قانونا.
    فوجود الموثق في المعاملات العقارية سيزيد من الضمانات حيث سيكون الأطراف أمام من يزودهم بالنصائح ويسهر على سلامة عمليتهم العقارية من الناحية القانونية،[7] حيث جاء في قرار لمحكمة الابتدائية على انه تمت مؤاخذة موثقة بمراكش بتاريخ 11 فبراير 2010 بمخالفة الإخلال بالثقة التي يتعين على الموثق بعثها في صفوف النفوس وعدم تقديم النصح  والقيام بالإجراءات اللازمة لضمان حجية العقد وبيع أملاك غير قابلة للتفويت وقد جاء في الحيثيات أن الموثقة تكون قد قامت بإنجاز عقد بيع منصب على أملاك محبسة وغير قابلة للتفويت ،ولم ينبه الأطراف خاصة المشتري الى مآل البيع في حالة تحقق شرط تسجيل مقرر التصفية بالمحافظة العقارية، رغم أن المشتري منعش عقاري وعلى دراية تامة بمجال العقار فإنه لإدارية له ولما كان يختص الموثق بتسلم الأموال موضوع التعاقد وفق ضوابط محددة قانونا، فإن المخالفات المتعلقة بالأموال المودعة لديه تكون مجالا للمتابعات كالقرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 19 نونبر 2009 عدد 128 في الملف 114/2008 إذ جاء فيه أن الموثق تجاوز المدة المحددة قانونا عند تسلمه للأموال موضوع البيع وعدم أدائها في وقتها المحدد[8].
    كما أن الالتزام بوسيلة إما أن يتعلق بشيء أو بأداء عمل وقد حددت المادة 211 من القانون المدني المصري ضروب الالتزام ببذل عناية حيث جاء فيها: "في الالتزام بعمل إذا كان المطلوب من المدين هو أن يحافظ على الشيء أو أن يقوم بإدارته أو أن يتوخى الحيطة في تنفيذ التزامه فإن المدين يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية ما يبذله الشخص العادي، ولو لم يتحقق الغرض المقصود منه، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك" أما التقنين المغربي فلا يوجد فيه مثل هذا النص ولم يحدد الالتزامات ببذل التي هي من قبيل الالتزام بوسيلة لكنه أشار إلى هذا النوع من الالتزامات في بعض العقود.
    وهكذا فإذا كان الالتزام ببذل عناية متعلقا بشيء فهو إما أن يكون الهدف منه المحافظة على هذا الشيء أو يكون المقصود منه إدارته وهذا ما نص عليه المشرع في المادة 50 من ق32.09 فقد ورد فيها: "يجب على الموثق أن يحفظ تحت مسؤوليته أصول العقود والوثائق الملحقة بها وصور الوثائق التي تثبت هوية الأطراف" أي أن ما يجب على الموثق اتخاذ جميع الوسائل من اجل الحفاظ على هذه الوثائق من التلف والضياع، فما يطلب منه هو بذل الجهد وفقا لأصول المهنة وتقاليدها مع اتخاذ الحيطة والعناية في القيام بالعمل الواجب كما نص أيضا في المادة 24 من قانون 32.09 على انه "يلزم الموثق بالمحافظة على السر المهني ما عدا إذا نص القانون على خلاف ذلك ويقع نفس الالتزام على المتمرنين لديه وأجرائه"
    يتضح من هذه المادة أن الموثق ملزم بعدم إفشاء الأسرار الخاصة بزبنائه مع اتخاذ الوسائل المؤدية إلى تحقيق نتيجة دون أن يلتزم بتحقيق هذه النتيجة.
    ومن القوانين العربية التي ألزمت الموثق بواجب إسداء النصح وتوجيه وإرشاد الأطراف[9] نجد القانون الجزائري في مادته 12 حيث جاء فيه: "يجب على الموثق أن يتأكد من صحة العقود الموثقة وان يقدم نصائحه إلى الأطراف قصد انسجام اتفاقاتهم مع القوانين التي تسري عليها أو تضمن تنفيذها"[10] وكذلك القانون العربي المصري حيث نصت الفقرة الأولى من الفصل 10 من قانون التوثيق على ما يلي: "يجب على الموثق قبل توقيع ذوي الشأن على المحرر المراد توقيعه أن يتلوا عليهم الصيغة الكاملة للمحرر ومرفقاته وأن يبين لهم الأثر المترتب عليه دون أن يؤثر في إرادتهم ويوقع هو وأصحاب الشأن المحرر والمرفقات".
    اذا ثبت هذا عن التزام الموثق ببدله العناية اللازمة تقديم النصح والارشاد للزبناء، فانه يلتزم اضافة لذلك تجاه الاطراف بالشفافية والصدق وعدم اخفاء الحقائق التي من شانها ان تؤثر على العملية الموكولة اليه بان يقدم المساعدة للاطراف عند وجود صعوبة في  التلقي بسبب اختلاف اللغات وتباين السنة المتعاقدين وذلك بالاستعانة بترجمان مقبول لدى المحاكم او باي شخص يراه الموثق اهلا للقيام بهذه المهمة[11].
    المطلب الثاني: التزام الموثق القانوني بالتأكد من الوضعية القانونية للعقار قبل توثيق العقود
    من بين الالتزامات القانونية الملقاة على عاتق الموثق التي تصنف في إطار الالتزام ببذل عناية التأكد من الوضعية القانونية للعقار سواء أكان محفظا "اولا" أو غير محفظ "ثانيا"، خاصة وان غالبية العقود التي يحررها الموثق ما تكون منصبة على العقار باختلاف انواعه، هذا ما سنحاول ابرازه بالحديث عن تدخلات الموثق والتزاماته بهذا الخصوص.
    أولا:  التأكد من وضعية العقار المحفظ
    يلتزم الموثق بتحديد الوضعية القانونية للعقار المحفظ وذلك بالرجوع إلى رسومه العقارية ويدخل هذا الالتزام في إطار الالتزام ببذل عناية، والذي يتوجب على الموثق تقديمه للمتعاقدين ذلك أن هذا الالتزام يحمل الموثق في المعاملات العقارية بواجب التأكد والتحري عن الوضعية القانونية للعقار والتيقن من انه غير مثقل بأي رهون أو تكاليف. 
    فإذا تبين له بعد الرجوع إلى الرسم العقاري أن وضعية العقار غير سليمة كأن يكون مرهونا فانه يجب عليه أن يطلع الأطراف على ذلك.
    وتجدر الإشارة إلى انه في حالة وضع الموثق شرطا بعدم المسؤولية في العقد أو في عقد مستقل فإن القضاء لا يعتد به ويبقى مسؤولا عن النتائج المترتبة عن عدم التأكد من الوضعية القانونية للعقار من حيث التحملات[12].
    وهذا ما سارت عليه محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 12 ماي 1958، وكذلك عما إذا كان غير مثقل بأي تكاليف أو ضرائب وهذا ما أكده القضاء بحيث جاء في أحد قراراته[13]،.... وحيث إن الثابت من وثائقه ومستنداته أن الموثق المتابع لم يتأكد عند تلقي الإشهاد بالبيع موضوع المتابعة من الوثائق والمستندات اللازمة في هذا الباب كالشهادة التي تفيد أن المبيع غير مثقل بأي ضريبة وهو الإجراء الذي كان وراء تأخير حصول المشتري على رسم الشراء إذا لم يحصل على المطلوب إلا بعد أدائه لواجبات التسجيل بتاريخ 6 يناير 2004 علما أن تلقي الإشهاد تم بتاريخ 30 ماي 2000..."
    والموثق الذي يعلم بوجود رهن على العقار، ورغم ذلك يترك البائع يتسلم الثمن دون أن يحذر المشتري من الأثر الخطيرة لهذا التصرف المتمثلة في حق الدائنين المرتهنين من التنفيذ على العقار، يكون في هذه الحالة قد ارتكب تقصيرا ولم يقم بواجب إسداء النصح إلى زبونه[14] وفي هذا الصدد قضت المحكمة الابتدائية[15] بمراكش بمؤاخذة الموثق المتابع من اجل مخالفة عدم قيامه بالإجراءات الخاصة لضمان حجية العقد، وذلك بعدم إخبار البائع والمشتري بكون العقار موضوع البيع مثقل بحجز تحفظي لفائدة صندوق الضمان العام رغم علمه بالحقيقة، فهنا أخل الموثق بالثقة التي يتعين عليه بعثها في صفوف النفوس ومعاقبته بالتوثيق عن ممارسة مهنة التوثيق لمدة  شهرين.
    ومن خلال هذا القرار يتضح أن الموثق قد اخل بالتزامه ببذل عناية المتمثل في عدم إخبار الأطراف المتعاقدة بأن العقار موضوع المبيع مثقل برهون وتكاليف وعدم قيامه بالإجراءات اللازمة المطلوبة قانونا ،ويفهم من هذا أن الموثق لم يبذل العناية اللازمة من اجل التأكد والتحري عن الوضعية القانونية للعقار أي أن هناك إهمال وتقصير من جانبه في اتخاذ التدابير الضرورية.
    ثانيا:  التأكد من وضعية العقار غير المحفظ
    يلتزم الموثق في هذه الحالة بالتأكد من الوضعية القانونية للعقار غير المحفظ إذ يعتبر هذا من صميم الالتزامات الملقاة على عاتقه التي تدخل في إطار الالتزام ببذل عناية بمعنى أن الموثق يجب عليه بذل الجهد والقيام بالإجراءات اللازمة من أجل البحث والتحري عن وضعية العقار في سبيل تحقيق هذه الغاية ولكن دون أن يعني هذا الالتزام بتحقيق النتيجة المرغوبة.
    كما يلزم الموثق أيضا بتوجيه النصائح الكافية للأطراف في المجال الضريبي بأن يقرأ عليهم المقتضيات القانونية المتعلقة بالكتمان وإخفاء الأصول وأن يبين لهم الغرامات المطبقة عن كل تهرب ضريبي من أداء الواجبات المفروضة عليهم[16]. وكان هذا الالتزام مكرسا بمقتضى المواد 12 و 18 من مرسوم 24 دجنبر 1958 المتعلق بالتسجيل والتمبر (الملغى) وأعادت التأكيد عليه المدونة العامة للضرائب في الفقرة الخامسة من المادة 139 من المدونة التي جاء فيها: "يتعين على الموثقين والموظفين الذين يزاولون مهام التوثيق والعدول والموثقين العبريين وكل شخص ساهم في تحرير عقد خاضع للتسجيل أن يطلعوا الأطراف على أحكام المادة 186 وكذا المواد 187 و 208 و 217".
    في الواقع يفرض واجب النصح على الموثق مد الأطراف بجميع العناصر الضرورية التي تحقق غايتهم وهذه العناصر قد تتخذ شكل معلومات قانونية عامة أو قد تتخذ معلومات خاصة مرتبطة بالمعاملة موضوع التوثيق، ولكي يتمكن الموثق من التعرف على هذه المعلومات لابد من إنجاز تحقيق حول كل العناصر التي قد تحول دون ترتيب التصرف للآثار التي ينشدها الأطراف، من ذلك مثلا التزام الموثق بالتأكد من وضعية محل التصرف سواء كان عقار غير محفظ أو أصلا تجاريا أو شركة فيجب أن يتأكد من خلوا المحل من أعباء قد يفاجأ بها المتعاقدين فيما بعد[17].
    فبالرجوع إلى مقتضيات المادة 35 من قانون 32.09 المتعلق بمهنة التوثيق نجده يشير إلى أن الموثق يتلقى جميع العقود التي يفرض القانون إعطاءها الصبغة الرسمية نلاحظ أن المشرع هنا لم يفرق بين أن تكون تلك العقارات محفظة أو غير محفظة ،فعندما تكون العقارات غير محفظة فالموثق يجد نفسه هنا أمام إشكالية كبيرة فهو ملزم بالتأكد من خلو العقار من أي تحمل عقاري أو رهن لأن التزامه اتجاه الأطراف هو التزام بوسيلة يتجلى في التأكد من سلامة العقار موضوع المعاملة من أي نزاع إلا أن هناك صعوبة التأكد نظرا لأن العقار غير المحفظ لا يوجد له سجل إلا في المحكمة ومن الصعوبة بما كان التأكد من التغييرات الطارئة عليه ولم تم التأكد من كينونته انطلاقا من السجل في المحكمة.
    وبناء على هذا فقد أجاز المشرع للموثق بصفة استثنائية بتلقي المعاملات التي يكون محلها عقارات غير محفظة ،وقد ألزمه في هذه الحالة أن يشير إلى بعض البيانات المهمة التي تحدد هذا العقار من حيث موقعه ونوعه ومساحته وحدوده وان يحلل الرسوم المقدمة إليه لكي يقف على أصل الملكية[18]. ويدخل هذا الالتزام في باب الالتزام ببذل عناية من أجل التأكد من سلامة العقار غير المحفظ ذلك باتخاذه كافة الوسائل في أداء المهمة التي كلف بها عناية الرجل المتبصر حي الضمير، وبذلك يكون مسؤول عن الأضرار التي تلحق الأطراف المتعاقدة نتيجة انتفاء هذه العناية بحيث يتعين عليه أن يحاول توظيف إمكانياته القانونية والعلمية بهدف تحقيق النتيجة المرجوة وإذا لم تتحقق هذه النتيجة بالرغم من ذلك فلا يتحمل أي مسؤولية بشرط أن لا يثبت العمد أو التقصير أو الإهمال في حقه.
    وعلى كل حال فإن من يدعي الإخلال بهذا الالتزام فيجب عليه إثبات ادعائه أي إثبات التقصير وعدم بدل العناية اللازمة من جانب الموثق فيجب عليه تقديم الدليل على نقص ما بذل الموثق من عناية في تنفيذ التزامه عن درجة العناية التي يلتزم بها، ومن الواضح ان إثبات التقصير في تنفيذ الالتزام بعناية أصعب من إثباته في الالتزام بنتيجة.   
          المبحث الثاني: تكييف الالتزامات المهنية للموثق كالتزام بنتيجة على ضوء ق 32.09 ودورها في حماية حقوق الزبناء المعاقدين
    فلإعطاء العقد التوثيقي المحرر من طرف الموثق الصبغة الرسمية بمنظور الفصل 418 من ق ل ع، وكعقد فاعل مرتب لأثاره ولأحسن النتائج في حفظ حقوق الزبناء المتعاقدين، وجب على الموثق التقيد بالتزاماته المهنية وعلى طول المراحل التي يمر منها العقد التوثيقي، هذه الالتزامات وفي إطار محاولتنا تكييفها يلاحظ على أن الموثق يقوم بعديد الإجراءات كتقديمه النصح للزبناء والتأكد من الوضعية القانونية للعقار خاصة منه غير المحفظ والتي تبقى التزامات منه بوسيلة، لكن في مقابل ذلك وضعت على كاهله التزامات أخرى أثناء وبعد تحريره للاتفاقات كالتزامه بتوقيع المحرر واحترام عديد البيانات المتعلقة بالأطراف والعقد،إضافة إلى التزامه القيام ببعض الإجراءات الشكلية بعد تحريره للعقد، والتي تبقى كلها التزامات بتحقيق نتيجة للموثق تجاه اطراف العلاقة التعاقدية التي من اجلها لجا المتعاقدان الى عرض عقودهم نظرا لجودة الخدمة التي يقدمها لهم الموثق والرسمية التي تؤمن حقوقهم من الضياع ومن اي نزاع حولها [19]، وهو ما سنتحدث عنه في النقطتين المواليتين .
    المطلب الاول: التزامات الموثق المهنية أثناء تحرير العقود
    لا يكفي لصحة الورقة الرسمية وإنتاج أثارها أن تقتصر على أهلية واختصاص الموثق محررها،بل الأمر يتعدى ذلك الى التزامه بمراعات عديد الأوضاع القانونية سواء كانت متعلقة بالإطراف المتعاقدة أو بالعقد التوثيقي لصيرورته عقدا منتجا لأثاره ولأحسن النتائج .
    وتظهر الحكمة من فرض المشرع لهذه الإجراءات على الموثق في ق 32.09،بهدف جعل عبارات العقد واضحة ومعبرة عن حقيقة التصرف الذي يرغب الأطراف في تحقيقها وإنتاج أثارها من خلال تعاقدهم [20]
    اولا: التزام الموثق بمراعاة الأوضاع القانونية المتعلقة بالأطراف المتعاقدين
    ان الرابطة القانونية والثقة التي ينبغي ان تميز علاقة الموثق باطراف العقد، علاقة تفرض على لموثق ان يتدخل شخصيا ليتحقق من هوية المعنيين بالامر واهليتهم للتعاقد، وبهذا الخصوص نجد المشرع ألزم الموثق خاصة في المادة 36 والفقرة الأولى من المادة 37 من قانون التوثيق 32.09، باحترام مجموعة من البيانات الموضوعية أبان تحرير المحرر التوثيقي حتى يكتسب حجته في إثبات الحقوق،وذلك بمراعاة مجموعة من البيانات المتعلقة بأطراف العلاقة التعاقدية بهدف التأكد من هويتهم رفعا لأي التباس أو تشابه في الأسماء، بدءا من ذكر أسماءهم وحالتهم المدنية ومحل إقامتهم وبطائقهم الوطنية[21]، أو غيرها مما يتعلق بالتعريف بهوياتهم وهو ما أشارت إليه الفقرة الأولى من المادة41 من قانون 32.09.
    وبخصوص البيان المتعلق ببطاقة التعريف الوطنية للمتعاقدين فلقد اختلف الفقهاء في الجزاء المترتب عن غيابها، فمن الفقه من ذهب إلى عدم بطلان المحرر الذي تنقصه احد هذه البيانات وهما الفقيهان "أبرى ورو"،في حين ذهب الفقيهان "بلانيول وريبير"إلى أن غياب هذا البيان وغيره لا يترتب عليها البطلان بل تعرض الموثق لغرامة مالية بإغفاله لها،إلا انه بخصوص البيان المتعلق بغياب أسماء احد الأطراف فان بعض الفقه سار في اتجاه بطلانه كمحرر رسمي،نظرا لأهمية هذا البيان الذي يعد أهم بيان شكلي والذي رتب المشرع على إغفاله احتفاظ العقد بصفته كمحرر عرفي بحسب ما نص عليه الفصل 423 من ق ل ع.
    إذ في هذا الشأن قضت محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 6 فبراير 1979" بان الموثق ملزم قانونا بالتحقق من هوية الأطراف وأي إخلال بهذا الالتزام يجعله مسؤولا عن هذا التقصير"[22].
    والذي يؤكد توجه هذا القرار انه كثيرة هي الأخطاء التي يقع فيها الموثق  بخصوص البيان المتعلق بهوية أطراف العلاقة التعاقدية،ذلك انه بإلقاء نظرة على التزامات العدول بخصوصها أنها عديدة هي الحالات التي أدين فيها هؤلاء بتزويرهم لتوقيعات الزبناء وتحريفهم للحقيقة نتيجة عدم تأكدهم من هوية الطرف المفوت واكتفيا بأوصاف له ع العلم انه صهر المفوت له وليس والده الذي اسند له التفويت.
    إلا انه تبقى من الالتزامات الهامة وعلى الموثق مراعاتها ما يتعلق بتوقيعات الأطراف على المحرر،وفي هذا الجانب وفي قضية عرضت على أنظار محكمة النقض الفرنسية تتلخص "في كون احد الواهبين وقع المحرر في حين رفض الأخر التوقيع حيث اعتبرت غياب توقيع هذا الأخير عيبا شكليا،وقضت ببطلان المحرر بطلانا مطلقا"[23]،ونفس التوجه سار عليه المشرع المغربي في اعتبار العقد الذي تنقصه توقيعات احد الأطراف باطل بطلانا مطلقا،وهو ما أكده القرار الاستئنافي الصادر عن استئنافية الرباط بتاريخ 19/11/2009 تحت عدد 128 في الملف رقم 114/2008/3،والذي أذان الموثق من اجل المخالفة لكونه اقدم على تحرير عقدي بيع بخصوص الشقتين رقم 9و10 وتسلم من المشتري أتعابه ومصاريف التسجيل والتحفيظ بالنسبة للشقتين معا،قبل أن يتأكد من توقيع البائع على العقد الخاص بالشقة رقم 10باقراره.
     أما في حالة ما اذا كان احد الأطراف أميا نص المشرع على ضرورة  الإشهاد بذلك لحماية هؤلاء من اي تدليس وهو ما نصت عليه المادة 427 من ق ل ع عند توقيعهم على العقود.
    ومن الالتزامات الأخرى الملقاة على عاتق الموثق أثناء تحريره للعقود ما يتعلق بإثباته لأسماء الشهود إن وجدوا سواء كانوا شهود تعريف أو توقيع،وذلك بهدف  ضمان إثبات هوية الأطراف والتي اشترط فيهم المشرع مجموعة من الشروط،من بلوغهم ومتمتعين بحقوقهم لا تربطهم أية علاقة بأحد أطراف العلاقة التعاقدية،يعرفون التوقيع،إضافة إلى حضورهم مجلس قراءة العقد من طرف الموثق على الأطراف، إذ يمكن القول ببطلان العقد في حالة غياب شهود العقد كما ذهب إلى ذلك بعض الفقه[24].
    وفي الأخير يمكن القول على أن البيان المتعلق بهوية الأطراف يبقى أهم التزام وجب على الموثق التأكد منه،وذلك لخطورة الآثار المترتبة عن إغفالها والتي قد تصل إلى حد بطلان العقد أو احتفاظه فقط بصفته كمحرر عرفي،وفي هذا الإطار صدر قرار عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 29/04/2010 تحت عدد43في الملف رقم124/2009/3،والذي أدان الموثق من اجل مخالفة عدم التأكد من مالك الشقة قبل إبرام عقد البيع.
    تبقى هذه أهم الالتزامات الملقاة على عاتق الموثق الواجب عليه مراعاته اتجاه زبنائه المتعاقدين،فماذا إذن عن التزاماته بخصوص العقد التوثيقي .
    ثانيا: التزام الموثق بمراعاة الأوضاع القانونية المتعلقة بالعقد التوثيقي
    الى جانب الالتزامات الواجب على الموثق مراعاتها بخصوص أطراف العلاقة التعاقدية أثناء تحريره للعقد،هناك التزامات أخرى تتعلق بضرورة مراعاته لمجموعة من الاجراءات الشكلية المتعلقة بالعقد والتي بدونها لا ينهض ذلك العقد كحجة في إثبات الحقوق،كتلك المتعلقة بقراءة الموثق العقد على الاطراف وتفسيره وتوضيح شروطه الخاصة وما يمكن ان يشكل غموضا في اذهان المعنيين مع تسليمهم نسخا من المحرر او العقد، وهو الامر نفسه فيما  يتعلق بتاريخ ومكان إنشاء المحرر ومختلف المقتضيات المتعلقة بكتابة المحررات بخلوها من أي نقص أو بياض أو ثغرات،وكذا مختلف الإحالات والتشطيبات التي يضمنها الموثق في العقد،هذا بالإضافة إلى توقيعه للمحرر التوثيقي كل ذلك هو ما سنتحدث عنها في النقط الآتي ذكرها.
    ·       بخصوص التزامات الموثق بتاريخ إنشاء المحرر التوثيقي
    يعتبر هذا البيان من الأهمية بما كان لذلك فعلى الموثق الالتزام بتضمينه في العقد، اذ رتب المشرع على إغفاله سواء في الظهير الملغى لسنة 1925 وقانون التوثيق الجديد32.09،احتفاظ المحرر فقط بصفته كمحرر عرفي إذا ما تضمن توقيعات الأطراف، وباطلا إذا لم يتضمن هذه التوقيعات، وذلك بحسب المقتضيات المنصوص عليها في الفصل 423 من ق ل ع.
    ولأهمية تاريخ إنشاء المحرر فقد استلزم المشرع وجوبا ذكره بالسنة واليوم والشهر بل من الفقه من اوجب  ذكر حتى الساعة التي تم فيها إنشاء المحرر،هذا ويحظى تاريخ إنشاء المحرر بأهمية كبرى خصوصا إذا ما تعلق الأمر بعقود تجارية، وفضه لعديد النزاعات ولعل هذا ما اوجب على الموثق ذكره بأرقامه وحروفه وسنته وشهره ويومه وساعته،كما وتظهر أهميته في الحالة التي يقوم فيها الموكل بعزل وكيله اذ يرجع الى تاريخ التصرفات المبرمة من طرف الوكيل،فإذا تمت قبل العزل كانت صحيحة أما إذا تمت قبل قرار العزل وعلم الوكيل والأطراف به كانت هذه التصرفات باطلة،هذا بالإضافة إلى أن تاريخ إنشاء المحرر يمكن من معرفة الحقيقة بالمحررات التي تم توثيقها من طرف الموثق في حالة صدور قرار بعزله وتوقيفه مع علمه بذلك،إذ هنا يرجع إلى تاريخ إنشاء المحرر للقول ببطلانه كمحرر رسمي لعدم أهلية الموثق الموقوف أو المعزول عند تحريره للعقد[25].
    ·       التزام الموثق بمكان إنشاء المحرر التوثيقي
    وتظهر أهميته في تقريره لمصير المحرر التوثيقي أما بصحته أو بطلانه،هذا البيان الذي يتم من خلاله مراقبة مدى التزام الموثق باختصاصه المكاني،ولذلك فان إغفال الموثق لهذا البيان اعتبر بمثابة تزوير منه يعرضه للعقوبات المنصوص عليه في القانون الجنائي،إضافة إلى صيرورة هذا العقد المحرر من طرفه كعقد عرفي مجرد من صفته الرسمية إذا ما تضمن توقيعات الأطراف.
    وبخصوص هذا البيان الشكلي يمكن القول على انه كان مثار خلاف فقهي،حيث يرى "بلانيول وريبير"ان عدم ذكر هذا البيان يترتب عليه بطلان العقد كمحرر رسمي،وهو ما سار عليه المشرع المغربي ورتب على إغفاله احتفاظ العقد بحجة المحرر العرفي[26]،في حين ذهب بعض الفقه إلى أن إغفال هذا البيان لا يترتب عليه بطلان المحرر التوثيقي.
    ·       التزام الموثق بمراعاة القواعد المتعلقة بكتابة العقد وبتوقيعه
    حرصا من المشرع وتفاديا لكل عيب او لبس في محررات الموثقين،فرضت على الموثق جملة من الالتزامات عند تحريره للعقود في نص واحد مع تجنبه ترك أي بياض أو فجوات عند كتابته للعقود والتي قد تغير من مضمون العقد،وكذا ترقيم صفحاته والتأشير عليها عند تعدد صفحات العقد الواحد،لكن يقع أن يكتشف الموثق وقوعه في بعض الأخطاء عند انتهاءه من تحرير العقد وهنا المشرع مكنه من عدة آليات كالإحالات أو الإضافات لبعض الكلمات أو التشطيب عليها لكن بمراعاة الضوابط القانونية التي حددها المشرع لذلك،وذلك بهدف تامين سلامة المحرر من أي تحريف قد يلحق بمضمون العقد ويضر بحقوق زبنائه[27].
    وبالرجوع إلى الفقرة 2من المادة 41 من ق 32.09نجدها تنص"على انه يجب تصحيح الأخطاء و الإغفالات بواسطة إحالات تدون إما في الهامش آو في أسفل الصفحة"من هنا يتضح أن أي إغفال من الموثق لإجراء من الإجراءات أثناء تحريره للعقد واكتشافه لها بعد تحرير العقد،أجاز له المشرع تدوينها في الهامش او في أخر الصفحة ودون إقحامها في المتن حفاظا على محتوى العقد،وعدم صيرورته باطلا بالنسبة لأطراف العلاقة التعاقدية.
    وهو ما كان يأخذ به القانون المدني الفرنسي الذي اعتبر أن أي إضافة في متن المحرر تعتبر باطلة،بل بإضافتها في الهامش أو في آخر المحرر مع تصديق وتوقيع الموثق عليها مع توقيعات الأطراف،وان أي إغفال فيها يجعل من المحرر محتفظا فقط بصفته العرفية،وهو ما قال به كذلك الفقيه "بودان، وعبد الرزاق السنهوري"هذا الأخير الذي قال"يجب ان تكون الورقة مكتوبة بخط واضح غير مشتملة على إضافة او تحشي راو كشط وذلك لإبعاد كل شبهة في المحرر،وإذا اقتضى الأمر إضافة أو حذفا فيجب ذكر ذلك في آخر المحرر موقعا عليه من ذوي الشأن والموثق".
    إلا انه من الفقهاء من اختلف بخصوص هذه الإضافة فيما إذا كانت تتعلق ببيانات جوهرية أو ببيانات ليست بجوهرية،حيث منهم من قال على انه إذا وردت الإضافة على بيان جوهري كما لو تعلق الأمر بتاريخ المحرر فان ذلك سيؤدي إلى بطلان هذا المحرر بكامله،أما إذا وردت على بيان غير جوهري فان البطلان يقتصر على هذا البيان ودون المساس بصحة المحرر.
    لتبقى الحكمة من حظر أي إضافة في صلب المحرر نفسه في إبعاد أي شبهة في صحة المحرر ومنع أي محاولة للتلاعب أو التزوير فيه سواء كان ذلك من الأطراف أو من الموثق[28].
    لكن قد يحصل أن يقع الموثق في سهو فيضيف بعض الكلمات التي لا صلة لها بموضوع العقد فتغير من مضمونه، فيعمد إلى شطبها وحذفها وذلك بمراعاة مجموعة من الشكليات بوضعه لخط على الكلمة المراد حذفها مع تركها ظاهرة للوقوف على عددها،ووضعه لبيان بعدد الكلمات المشطوبة في آخر المحرر مع توقيعه عليها وباقي المتعاقدين.
    لتبقى في الأخير الكلمة للقاضي بسلطته التقديرية للتأكد من مدى احترام الموثق للمقتضيات القانونية بخصوص هذه البيانات والأمر نفسه بالنسبة للإحالات التي يقوم بها الموثق في المحرر فهي أيضا تخضع لتقدير قضاء الموضوع وبموجب الفصل 462 من ق ل ع،على أن يقوم بإعطاء التفسير المناسب لتقديره[29]،وهو ما سار عليه المجلس الأعلى في إحدى قراراته (محكمة النقض حاليا)والتي جاء فيها"ان قضاة الموضوع لهم الحق في تفحص الرسوم المدلى بها واعتبار صحتها شكلا وموضوعا قبل ان يعملوا بها ولو لم يقع أي طعن من لدن المحتج بها وان ذلك داخل في سلطتهم التقديرية التي لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى".
    لتبقى في الأخير الإشارة إلى أهم التزام للموثق والذي بدونه لا وجود للعقد الرسمي بمفهوم الفصل 418 من ق ل ع والمادة 35 من ق 32.09،ويتمثل في التزامه المهني بتوقيع العقد والذي يعد أهم بيان شكلي،ذلك انه يأتي كأخر حلقة لميلاد الوثيقة الرسمية بعد توقيع  العقد من الأطراف وشهودهم وقراءة بنوده عليهم .
    ويعتبر هذا التوقيع بمثابة شهادة على أن المحرر تم بطريقة قانونية بدءا من تلقيه إلى حين توقيعه وكأخر شخص يضع توقيعه على المحرر بحسب الفقرة 1 و2من ق 32.09،  وهو ما قال به بعض الفقهاء وبمخالفة  ذلك أصبحنا أمام تزوير معنوي من طرفه،لأنه إن قام بذلك يكون قد شهد على توقيعات لم تتم بعد،وفي قضية عرضت على أنظار محكمة النقض الفرنسية "تتعلق بهبة تمت بين زوج لزوجته ولما حررها الموثق وقعت الزوجة في حين خرج الزوج لحظة وعاد بعدها ليعلن عن تراجعه،وكان الموثق في هذه الأثناء قد وقع المحرر،حيث قضت محكمة النقض الفرنسية ببطلان عقد الهبة ومن بين ما اعتمدت عليه في تعليل قرارها أن الموثق ينبغي أن يكون أخر من يوقع المحرر،وهذا البطلان لا يمكن تفاديه حتى ولو وقع الواهب المحرر لاحقا".
    وبالرجوع إلى المشرع المغربي يلاحظ على انه لم يحدد الوقت الذي يتم فيه توقيع المحرر من طرف الموثق،خاصة وانه قد تطرأ للموثق حادثة الوفاة او ما شابه ذلك اذ في هذه الحالة وخوفا على ضياع مصالح الأطراف المتعاقدة يأمر رئيس المحكمة الابتدائية الموجود بدائرتها الموثق بناء طلب المتعاقدين بتذييل العقد بتوقيع موثق أخر بحضورهم وقراءة العقد عليهم من جديد.
    غير أن محكمة النقض الفرنسية سارت على خلاف ذلك في قضية عرضت عليها تتلخص وقائعها في كون احد الموثقين حرر عقدا وقع عليه الطرفان ،لكن الموثق لم يبادر إلى توقيعه فورا فتوفي احد الطرفين ،فهل يحق للموثق أن يوقع بعد ذلك العقد ام لا؟
    قضت هذه المحكمة بأنه ليس من الضروري أن يتم توقيع الموثق فور توقيع الطرفين، إذ يحق للموثق وضع توقيعه حتى ولو توفي احد الأطراف الموقعين على العقد[30].
    وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي في قانون التوثيق الجديد استلزم بالإضافة إلى توقيع الموثق أن يضع طابعه على المحرر،بهدف ضمان حجية العقد التوثيقي غير انه إذا لم يتضمن توقيعات الأطراف أصبح باطلا بطلانا مطلقا لا تبقى له حتى قيمة المحرر العرفي،ونفس الشيء إذا أهمل الموثق توقيعه فان المحرر تبقى له فقط قيمة المحرر العرفي استنادا للمقتضيات المنصوص عليها في الفصل 423 من ق ل ع.
    ويمكن القول على أن هذه الالتزامات الواجب على الموثق مراعاتها أثناء تحريره للعقد،تبقى كلها التزامات له بنتيجة في إضفاءه الرسمية وتهييئه لعقد فاعل يرتب أحسن النتائج،إضافة إلى التزاماته الأخرى كقيامه ببعض الإجراءات الشكلية [31]والتي سنتحدث عنها في باقي النقط الموالية .
    واهم ما يمكن قوله بخصوص التزامات الموثق أن الغالب عليها أنها تبقى التزامات بتحقيق نتيجة للأطراف والعقد التوثيقي،وهو الأمر الذي سار عليه التشريع الفرنسي في اعتبار التزامات الموثق  أن الأصل فيها وبل وتقتصر على تحقيق النتيجة،نفس الشيء سار على منواله المشرع المغربي وهو ما أكده قراره الصادر عن المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) والذي جاء فيه "لما كان التزام العدل هو الإشهاد على الاتفاقات الجارية بين أطرافها المتعاقدين،فان التزام الموثق يتعدى هذا الالتزام إلى الالتزام بتحقيق النتيجة المتوخاة من العقد،وهو ما نص عليه المجلس الأعلى في قرار له بتاريخ 20/07/2006 تحت عدد 21114،والذي جاء فيه ان الموثق يلتزم بحفظ حقوق الأطراف المتعاقدة واتخاده الإجراءات اللازمة لنقل الملكية".
    وبالتالي يمكن القول بهذا الخصوص على ان الموثق اناط به المشرع في قانون التوثيق 32.09، جملة من الالتزامات هدفها تقديم خدمة وعقد رسمي  يضمن الحقوق لزبنائه المتعاقدين، وهي النتيجة التي يهدف الاطراف الوصول اليها عند عرض تعاملاتهم على انظار الموثق وثقتهم الاكيدة تحقيق هذه الغايات في ضمان حقوقهم وصولا لما قد نسميه امنا توثيقيا يكون منطلقا لتحقيق امن تعاقدي لتعاملات الاطراف. 
    المطلب الثاني: التزامات الموثق بعد تحرير العقود
    إن مهمة الموثق لا تنتهي بكتابة المحررات وتوقيعها، بل يلزم في حالات محددة بالقيام ببعض الواجبات الإضافية حتى تنتج بعض التصرفات اثارها كاملة في تهييئ عقد فاعل ذو جودة يكرس حماية لحقوق  الزبناء المتعاقدين وضمان امنهم التعاقدي .
    تتكون هذه الالتزامات من عمليات يقوم بها الموثق بعد كتابة المحرر وهي تسجيل التصرف لدى إدارة التسجيل وتقييده لدى المحافظة العقارية، وكذا الحفاظ على أصول الوثائق والسر المهني .
    أولا: التزام الموثق بتسجيل العقد لدى ادارة التسجيل وتقييده لدى المحافظة العقارية
    ·       التزام الموثق بتسجيل العقود لدى ادارة التسجيل
    جاء في المادة 47 من القانون رقم 09-32 المنظم لمهنة التوثيق انه:" يجب على الموثق ان يقدم نسخا من المحررات والعقود بعد الاشهاد بمطابقتها للاصل من طرفه، لمكتب التسجيل المختص لاستيفاء إجراء التسجيل وأداء الواجب في الأجل المحدد قانونا...".
    كذلك أشارت المادة 137 من المدونة العامة للضرائب الى ان على الموثقين ان يضمنوا العقود البيانات والتصاريح التقديرية اللازمة لتصفية واجبات التسجيل.
    ان مقتضى هاتين المادتين يؤكد ان الموثق ملزم بتسجيل العقود التي يقوم بتحريرها وان يؤدي رسوم التسجيل والتمبر ومعها الرسوم التوثيقية داخل الأجل المحدد قانونا.
    وبالتالي فالتزام الموثق في هذه الحالة رهين بتحقيق نتيجة وهي تسجيل المحررات بادارة التسجيل، والا كان محل مساءلة وفي هذا الصدد صدر حكم ابتدائي عن المحكمة الابتدائية بثمارة بتاريخ 16/10/2009 والذي جاء فيه: حيث ان المحكمة بعد استقرائها لوثائق الملف تبين لها ان البيع النهائي للملك ذو الرسم العقاري عدد 7658 تم بتاريخ 23/03/2006 بعد ان توصل الموثق بجميع المبالغ لأداء الضرائب، والتي اقر بتوصله بها، غير انه لم يقم بأداء الضرائب المتعلقة بالملك المذكور إلا في تاريخ لاحق لتاريخ البيع، كما هو ثابت من الإبراء الضريبي المدلى به في الملف.
    وحيث ان الموثق تسلم المبالغ التالية من المشتكي لأداء الضرائب وهي تمثل وديعة مؤتمن عليها لحساب الغير، وظلت بحوزته دون قيامه بالمهمة المنوطة به، مما تكون معه المخالفة المتابع من اجلها ثابتة في حقه، ويتعين التصريح بإدانته من اجلها[32]".
    ·       التزام الموثق بتقييد العقود لدى المحافظة العقارية
    يشكل التقييد احد الشكليات الضرورية التي فرضتها التشريعات المقارنة من اجل حماية الملكية العقارية، حيث يمنح التقييد حجية للتصرفات ويمكنها من إنتاج اثارها كاملة، لذلك قرر المشرع في المادة 65 من القانون 07-14 المتعلق بالتحفيظ العقاري، ضرورة تقييد جميع التصرفات التي يكون من شانها تأسيس او نقل او تغيير او إنهاء حق عيني.
    بالنظر لهذه الأهمية ألزم المشرع الموثق بتقييد العقود في السجلات العقارية، وهذا ما يتضح من خلال المادة 47 من القانون رقم 09-32 المنظم لمهنة التوثيق حيث تنص"...وانجاز الإجراءات الضرورية للتقييد في السجلات العقارية وغيرها لضمان فعاليتها ويقوم بإجراء النشر والتبليغ عند الاقتضاء".
    كذلك فهذا الالتزام الملقى على عاتق الموثق يتوقف على تحقيق نتيجة، وهي تقييد العقد بالسجلات العقارية.
    وقد أكد القضاء المغربي التزام الموثق بواجب الإشهار، ففي إحدى القضايا التي عرضت أمام المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا) اعتبر المجلس الموثق مسئولا عن قيامه بالإجراءات الخاصة بتسجيل حوالة أصل تجاري حيث جاء في تعليل المجلس الأعلى"... الباعث على الاشهاد بواسطة موثق هو ضمان تحقيق نتيجة من المعاملة المشهود بها وذلك بحفظ حقوق المتعاقد القانونية وكل ما يترتب عن ذلك من نتائج، وهو باعث مشروع لحماية حقوقه يوجب اتخاذ الموثق جميع الإجراءات الضامنة لنقل ملكية الأصل التجاري وحوالة الحق بشأنه..."[33]، فإجراءات الشهر المتعلقة بالأصول التجارية لا تختلف عن تلك المتعلقة بالأصول العقارية سواء في جوهرها او في أثارها، وهذا يجعلنا نؤكد الطبيعة القانونية لإلزامية الموثق بشهر التصرفات سواء التجارية او المدنية، ويتأكد هذا الاستنتاج كذلك بقرار اخر صادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 25/11/2005 أكدت فيه التزام الموثق بتقييد البيع الذي قام بتوثيقه[34].

              ثانيا: التزام الموثق بالمحافظة على أصول الوثائق وكتمان السر المهني
    ·       الالتزام بالمحافظة على أصول الوثائق
    يعتبر الالتزام بحفظ أصول المحررات الرسمية من اهم الالتزامات الملقاة على عاتق الموثق الذي يمنع عليه تسليمها للأطراف، وهذا بخلاف المحررات العرفية التي تبقى أصولها بحوزة أصحابها وتكون عرضة للضياع.
    وقد نصت كثير من التشريعات المنظمة للتوثيق في العديد من البلدان على هذا الالتزام، وبذلك فعل المشرع المغربي عندما نص في المادة 50 من القانون رقم 09/32 على انه" يجب على الموثق ان يحفظ تحت مسؤوليته اصول العقود والوثائق الملحقة بها، وصور الوثائق التي تثبت هوية الاطراف".
    ويمكن تكييف هذا الالتزام الملقى على عاتق الموثق كالتزام بتحقيق نتيجة، وهي الحفاظ على اصول الوثائق وعدم تسليمها للاطراف الشيء الذي يولد في نفوس المتعاقدين الاطمئنان على أصولهم.
    غير انه لما كانت الضرورة تتطلب أحيانا نقل احد الأصول للإدلاء بها أمام المحكمة، فقد وضع المشرع المغربي لهذه الحالة إجراءات ينبغي تطبيقها للحفاظ على الأصول من الضياع، وهذا ما نصت عليه المادة 52 من القانون رقم 09-32، حيث منعت على الموثق تسليم أصل العقد المحفوظ إليه إلا بمقتضى مقرر قضائي.
    ولهذا فإذا صدر حكم يقضي بإحضار أصل من الأصول، فان الموثق ملزم بان يحرر نسخة ( نظير ) منه يضع عليها توقيعه، ثم يشار فيها إلى مطابقتها لأصلها من طرف رئيس المحكمة الابتدائية التي يمارس الموثق مهنته بدائرة نفوذها، وتحل محل الأصل إلى حين رده إلى مكتب الموثق[35].
    وتجدر الشارة إلى أن الحق في منح النظائر والنسخ لا يملكه إلا الموثق صاحب المكتب ا والى من ينوب عنه ا والى الموثق المسير للمكتب[36].
    ·       التزام الموثق بكتمان السر المهني
    إن الموثق العصري بصفته ناصحا للأطراف ملزم بالحفاظ على سرية ما يبوحون له به من معلومات أثناء تعاقداتهم، ويجد هذا الالتزام الملقى على عاتق الموثق أساسه في المادة 24 من القانون رقم 09-32، التي جاء فيها"يلزم الموثق بالمحافظة على السر المهني، ما عدا إذا نص القانون على خلاف ذلك، ويقع نفس الالتزام على المتمرنين لديه وإجرائه"، فضلا عن ان صيغة اليمين القانونية المضمنة في نص المادة 13 من نفس القانون ألزمت الموثق بالحفاظ على السر المهني.
    فالتزام الموثق في هذه الحالة هو التزام بتحقيق نتيجة، والتي تتحلى في كتمان السر المهني، وإلا تحمل عقوبة إفشاء السر المهني التي نص عليها الفصل 446 من القانون الجنائي.
    والملاحظ أن هذا الفصل لم يورد الأشخاص الملزمين بكتمان السر المهني على سبيل الحصر وإنما على سبيل المثال فقط، لأنه بعد أن أشار بأنه يلحق بهؤلاء" كل شخص يعتبر من الأمناء على الأسرار بحكم مهنته او وظيفته الدائمة او المؤقتة" ويدخل الموثق ضمن هؤلاء الأمناء الذين تقصدهم هذه المقتضيات.
    ولا بأس أن نشير إلى أن هناك بعض الحالات المستثناة من واجب كتمان السر المهني:
    ــ الحالة المنصوص عليها في الفصل 378 من القانون الجنائي والمتعلقة بالشخص الذي يكون بحوزته دليل براءة محبوس احتياطيا او مقدم للمحاكمة من اجل جنحة او جناية، فإذا كان بحوزة الموثق مثل هذا الدليل وجب عليه تقديمه ولا مجال لاحتجاجه بموجبات حفظ السر المهني.
    ــ الحالة المنصوص عليها في الفصل 430 من القانون الجنائي والمتعلقة بالشخص الذي يمتنع عمدا عن التدخل المباشر لمنع وقوع جناية او جنحة تمس السلامة البدنية للأشخاص رغم قدرته على ذلك دون تعريض نفسه او غيره للخطر.
    ــ حالة أداء الشهادة أمام المحكمة حيث قررت المادة 334 من قانون المسطرة المدنية إمكانية الاستماع للأشخاص الملزمين بكتمان السر المهني وفق شروط خاصة[37].
    هذا وتجدر الإشارة إلى أن الأمر لا يقتصر وفقط على هذه الالتزامات بل إن الموثق يقوم بمسك الودائع المالية للمتعاقدين والمحافظة عليها مهما كانت طبيعة هذه الودائع[38].
    وبالتالي يمكن القول وبخصوص مختلف التزامات الموثق على أن المشرع أناطه بعديد الالتزامات بهدف حماية حقوق الزبناء المتعاقدين وتحقيق أمنهم التعاقدي، وهي التزامات الغالب فيها أنها التزامات بنتيجة[39] على وذلك من خلال الخدمة التي يقدمها والعقد الرسمي الذي يوفره للمتعاقدين ولعقودهم.

    خاتمة
    انطلاقا من المقتضيات المنصوص عليها في بعض القوانين ونخص بالذكر الفصول 418 و  430 وكذا الفصل 489 من  ق ل ع، والمادة 4 من مدونة الحقوق العينية وعديد القوانين العقارية، والفصل 35 من ق 32.09 والعديد من فصول هذا القانون، ومن  خلال دراستنا للالتزامات المهنية العقدية والقانونية الملقاة على عاتق الموثق وارتباطا بهذه المقتضيات المنصوص عليها في الفصول السابقة، وفي مدى تكييف هذه الالتزامات تماشيا ودور الموثق الوقائي الرسمي الثبوتي للحقوق وللعقد التوثيقي المحرر من طرفه، يمكن القول على أن الموثق مناط بعديد الالتزامات وعلى طول المراحل التي يمر منها العقد التوثيقي بدءا من تلقيه لها إلى حين منحها الصبغة الرسمية، والتي تتداخل فيما بينها الشيء الذي يصعب من مأمورية تكييفها، إلا أن المشرع المغربي نص بصريح العبارة ومن خلال بعض قراراته الصادرة عن المجلس الأعلى"محكمة النقض حاليا" خاصة القرار الصادر في 2006 عدد 21114، على ان التزامات الموثق تبقى التزامات بتحقيق نتيجة سيرا وتوجه القانون الفرنسي الذي اعتبر كل ما يقوم به الموثق من تحرير وتسجيل وتقييد للعقد التزامات منه بتحقيق نتيجة للعقد التوثيقي ولتعاملات زبنائه.
    لذلك لا يسعنا القول إلا بكون الغالب والأصل في التزامات الموثق تبقى التزامات بتحقيق نتيجة، وما يؤكد هذه النتيجة هو ذلك الهدف الذي يلجأ من خلاله المتعاقدين الى عرض تعاقداتهم على مكتب الموثق والذي يبقى مأملهم الوحيد في صون حقوقهم وتحقيق الامن التعاقدي لمعاملاتهم، ليس فقط بصبغته الرسمية بل بتهييء عقد فاعل يحقق للأطراف أحسن النتائج، والتي تبقى كلها إشارات واضحة تلخص مدى النتيجة التي يود الأطراف الحصول عليها بتوثيق عقودهم لدى الموثق وليست مجرد وسيلة ، وبعبارة أخرى يمكن القول على ان الموثق بالتزاماته يبقى كوسيلة وأداة لتحقيق نتيجة للأطراف المتعاقدة ولعقودها .
    وبالتالي يمكننا القول ومن خلال دراستنا للالتزامات المتعددة التي أناطها المشرع في القانون 32.09 بالموثق والتوجه الذي سار نحوه المشرع في تكريس الكتابة والرسمية في غالبية العقود وعلى اختلاف أنواعها المدنية والتجارية والعقارية...، وفي عديد القوانين متجاوزا في ذلك مبدأ سلطان الإرادة، والتي حاولنا قدر الإمكان تكييفها والتي يبقى الغالب عليها أنها التزامات تتمثل في تحقيق نتيجة للعقد التوثيقي المحرر من طرفه، من خلال جودة الخدمات والرسمية التي يوفرها لعقود زبنائه، وفي محاولة منه تكريس امن توثيقي الغاية منه تحصين حقوق المتعاقدين والحفاظ عليها من الضياع ومن أي نزاع قد يثار بخصوصها أمام العدالة الرسمية، وصولا لما قد نسميه أمنا تعاقديا وقائي لحقوق المتعاقدين، الذي يبقى الغاية الأساس من وضع هذه الالتزامات على عاتق الموثق وتجنبا لأي انزلاق أو خطا قد يقع فيه أثناء تحريره للعقود وعرض خدماته على الزبناء ومن ثم إثارة مسؤوليته بهذا الخصوص، والتي يظهر من خلالها على انه باحترام الموثق لالتزاماته سيكون بعيد كل البعد عن إمكانية إثارة أية مسؤولية في جانبه تجاه العقود المحررة من طرفه.
       
    لائحة المصادر والمراجع:
    الكتب:
    مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي،ج 1 مصادر الالتزامات،مطابع القلم،ط 2 سنة 1972.
    محمد الربيعي، الأحكام الخاصة بالموثقين والمحررات الصادرة عنهم، مطبعة الوراقة الوطنية الطبعة الأولى: 2008
    عبد المجيد بوكير،التوثيق العصري المغربي، مكتبة دار السلام، الطبعة الثانية 2010
     لبنى الوزاني، المسؤولية التأديبية على ضوء العمل القضائي مطبعة دار السلام الرباط، ط 1: 2011  
    الرسائل والأطروحات:
     محمد الكامل، المسؤولية المدنية للموثقين في التقنين المغربي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القضاء والتوثيق، بجامعة القرويين، كلية الشريعة، فاس، السنة الجامعية، 1430 هـ- 2009م
     محمد الربيعي، المعاملات العقارية بين ظاهرة انتشار المحررات العرفية وضمانات المحررات الرسمية أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة الحسن الثاني بالدار لبيضاء السنة الجامعية: 1990-1991
    كريم أيت عيسى، أساس المسؤولية المدنية للموثقين، رسالة لنيل دبلوم الماستر في العلوم القانونية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط السنة الجامعية 2009-2010
       
      المجلات والقرارات:
         المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 69، الطبعة الاولى 2010.
    محمد الربيعي، التزام الموثق بإرشاد الزبون ونصحه، مقال منشور بمجلة الأملاك العقارية، العدد الثاني سنة 2007
          مجلة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مجلة قانونية وقضائية متخصصة تصدر مرتين في السنة، العدد الثاني، 2012
          مجلة المحاكم المغربية عدد 104 بتاريخ شتنبر / اكتوبر 2006،
    المراجع باللغة الفرنسية:
      Moreau Philippe : l’authenticité nationale obligatoire pour la sécurité des transmissions immobilières- thèse 1941 Paris     
    جميع الحقوق محفوظة ل MarocDroit Avocat
    تصميم : Abdo Hegazy