-->
دروس القانون
404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • Affichage des articles dont le libellé est رسائل و أطروحات. Afficher tous les articles
    Affichage des articles dont le libellé est رسائل و أطروحات. Afficher tous les articles

    jeudi 30 novembre 2017




    مقدمة:
    إن النظام العقاري في المغرب قام على ازدواجية تتمثل في وجود عقارات محفظة وهي الخاضعة لظهير التحفيظ العقاري لـ 12 غشت 1913 كما وقع تعديله وتتميمه بالقانون رقم 07-14 بتاريخ 22 نوفمبر 2011 والقانون رقم 08-39 المتعلق بالحقوق العينية، وعقارات غير محفظة تخضع لمقتضيات الفقه المالكي حسب ما استقر عليه العمل القضائي المغربي، ولبعض الأعراف كما انه إذا قدم مطلب التحفيظ بشأن عقار ما، فيسمى عقارا في طور التحفيظ ويخضع لأحكام القانون 39-08 .
    ولقد كانت الملكية الخاصة في المغرب تخضع في تنظيمها قبل 12 غشت 1913، أو بالأحرى قبل الإستعمار، لقواعد الشريعة الإسلامية وبعض الأعراف فيما يخص العلاقات بين المواطنين، أما فيما يخص العلاقات بين الاجانب فكانت تخضع لبعض الاتفاقيات الدولية.
    وقد كانت الملكية في هذه الفترة مضبوطة ومنظمة لأن أحكام الشريعة الإسلامية تنص على ضرورة الكتابة، وخير دليل على قوة وصمود العقارات غير المحفظة هو بقاؤها إلى اليوم إلى جانب العقارات المحفظة تساهم في التنمية.
    ويعرف التحفيظ العقاري بأنه مجموع الإجراءات والعمليات التي ينبغي اتباعها لجعل العقار خاضعا لنظام التحفيظ العقاري ، والتي ترمي إلى تسجيل ملك عقاري في وثيقة رسمية تسمى بالسجل العقاري.
    والملاحظ أن نظام التحفيظ العقاري مر بعدة مراحل تبعا لتطور العصور، وقد ظهرت خلال هذا التطور اختلافات مهمة بين قوانين مختلف الدول في الميدان العقاري، الشيء الذي دفع ببعض الدول إلى محاولة توحيد قوانينها وأنظمتها العقارية وفقا للأنظمة التي أظهرت التجربة صلاحيتها .
    ومن بين الأنظمة التي عرفت بالدقة والتنظيم، يوجد نظام التسجيل العيني المستمد من نظام تونس، والذي ظهر في أستراليا وتبنته كثير من الدول من بينها المغرب والذي يتخذ من الوضعية المادية للعقار أساس كل تنظيم. 
    كما يوجد نظام التسجيل الشخصي الذي ظهر نتيجة التطور في بعض الأنظمة العقارية كفرنسا، والذي يتخذ من مالك العقار أساس كل تنظيم.
    إن العقار حينما يحفظ يكتسب وضعية قانونية جديدة تميزه عن العقار غير المحفظ وهو بهذا يخضع لإجراءات خاصة أثناء تحفيظه، حتى إذا انتهت كل هذه الإجراءات واتخذ المحافظ قراره بالتحفيظ، يتخذ العقار وضعية جديدة لا يمكن أن يخرج منها بعد ذلك.
    فما هي المراحل التي يمر منها العقار قبل أن يصدر بشأنه رسم عقاري يطهره؟ وما هي الوسائل المقررة لحفظ حقوق الأشخاص وإعلامهم ببدء مسطرة تحفيظ العقار؟ وهل استطاع المشرع من خلال ذلك أن يحمي كلا من طالب التحفيظ والمتعرضين؟
    محاولة منا دراسة إجراءات التحفيظ آثرنا أن نعتمد التصميم الآتي:
    المبحث الأول: تقديم مطلب التحفيظ وإشهاره
    المبحث الثاني: التعرضات وتأسيس الرسم العقاري
     
    المبحث الأول : مطلب التحفيظ وإشهاره.
    لكي يخضع العقار لنظام التحفيظ العقاري أو السجلات العقارية يجب أن يحفظه أولا وقبل كل شيء وبما أن التحفيظ هو مبدئيا عمل اختياري، فإن الخطوة الأولى للدخول في هذا النظام ينبغي أن تأتي من جانب المالك حينما يقرر ويختار تطبيقا لمقتضيات ظهير التحفيظ العقاري بشأن عقاره، وهذه الخطوة تكون بواسطة مطلب التحفيظ وهذا ما سنتطرق له من خلال (المطلب الأول)، وحتى لا تتم عمليات التحفيظ في جو من السرية والكثمان وتطبيقا لمبدأ العلنية في ميدان الشهر العقاري فلا بد أن تشهد عملية التحفيظ الشهر هذا ما سنخصص له (المطلب الثاني).
    المطلب الأول : مطلب التحفيظ وشكليات .
    إن أول إجراء يفتح المجال لتدخل الدولة في هذا الميدان وبطلب من المعنيين بالأمر واختيارهم، وبالتالي يعطي إشارة لانطلاقة مسطرة التحفيظ عن طريق وضع المطلب ، إن مطلب التحفيظ هو الطلب الذي يتقدم به أحد الأشخاص الذين عينهم القانون حصرا لمباشرة حقهم في إخضاع أملاكهم أو حقوق ترتبت لهم بنظام التحفيظ العقاري. 
    ويقع تقديم هذا المطلب لجهة المحافظة العقارية حيث يباشر المحافظ إثر ذلك عدة إجراءات وأعمال تنتهي بتحفيظ العقار .
    وعليه يكون إيداع مطلب التحفيظ أول خطوة في مشوار نظام التحفيظ العقاري ومن هنا يمكننا الحديث أولا عن الأشخاص الذين لهم الحق في تقديم هذا المطلب (الفقرة الأولى) وكذا أهم البيانات التي يتضمنها هذا المطلب (الفقرة الثانية).

    الفقرة الأولى : الأشخاص الذين يحق لهم تقديم مطلب التحفيظ 
    لقد حدد الفصل العاشر من ظهير التحفيظ العقاري الأشخاص من الذين لهم الحق في تقديم مطلب التحفيظ وهم كالتالي : 
    - المالك وهو صاحب الحق الأصلي الذي يرجع له الأمر في طلب التحفيظ العقار.
    - الشريك على الشياع مع التحفظ بحق الشفعة لشركائه إذا كانوا يتوفرون على الشروط المتطلبة لممارسة هذا الحق.
    - أصحاب أحد الحقوق العينية التالية : حق الانتفاع والكراء الطويل الأمد، الزينة، الهواء والتعلية والحبس. 
    - المتمتع بارتفاقات عقارية بعد موافقة صاحب الملك.
    - كما يضيف الفصل 11 من نفس الظهير الدائن صاحب الرهن الرسمي الذي لم يدفع له الدين بالاستحقاق يستطيع أن يطلب التحفيظ إذا صدر لفائدته حكم بحجز العقار.
    - بالإضافة إلى الفصل 11 فإنه يستفاد من الفصل 12 أنه يمكن لولي ناقص الأهلية ووصيه أو مقدمه أن يطلب التحفيظ نيابة عنه إذا كان ناقص الأهلية يتمتع بحق من الحقوق العينية التي كانت تجيز له أن يطلب التحفيظ بنفسه لو لم يكن ناقص الأهلية .
    إلا أنه ورغم تعدد الأشخاص الذين خول لهم القانون تقديم مطلب التحفيظ فغالبا ما يقدم هذا الطلب من طرف الملاكين والشركاء على الشياع إن لم نقل وحدهم.
    ويرى البعض أن هذا التعداد يحتاج إلى إعادة النظر إلا أن الجدير بالملاحظة أنه لا يشترط أي شرط لقبول مطلب التحفيظ بحيث يمكن أن يطلب تحفيظ أي عقار ولو عند عدم وجود سندات تثبت صفته كمالك ، لكن الواقع يظهر بأن طلاب التحفيظ يضعون بمحض اختيارهم كل المستندات المؤيدة لمطلبهم وهذا يأخذنا إلى الحديث عن أهم البيانات التي يتضمنها مطلب التحفيظ.
    الفقرة الثانية : البيانات التي يتضمنها مطلب التحفيظ 
    لقد استلزم المشرع في الفصل 13 تقديم عدد من المعلومات التي ينبغي أن يتضمنها طلب التحفيظ وهذه المعلومات منها ما يتعلق بطالب التحفيظ ومنها كذلك ما يتعلق بالعقار موضوع التحفيظ ،وبالإضافة إلى البيانات التي يتعين أن يتضمنها مطلب التحفيظ فهناك مؤيدات تختلف بحسب انتماء العقار.
    فيما يخص المعلومات المتعلقة بطالب التحفيظ فهي تختلف بين ما إذا كان طالب التحفيظ شخصا ذاتيا أو معنوي، فإذا كان طالب شخصا ذاتيا فيتعين على مطلبه أن يتضمن ما يلي : 
    - الاسم الشخصي والعائلي لصاحب الحق ومحل سكناه.
    - إثبات هويته الكاملة استنادا إلى بطاقة التعريف الوطنية أو أية وثيقة تعرف بهويته.
    - الصفة التي تقدم بها صاحب الطلب، هل أصالة عن نفسه أو نيابة عن غيره وفي هذه الحالة لابد من حجة تبرز هذه الصفة.
    - تعيين موطن طالب التحفيظ، إذا كان هذا الموطن خارجا عن دائرة المحافظة العقارية.
    - الحالة المدنية وجنسية طالب التحفيظ.
    أما إذا كان طالب التحفيظ شخصا معنويا فيتعين على ممثلي الأشخاص المعنوية تقديم الوثائق التالية : 
    - الظهير المحدث للمؤسسات الخاضعة للقانون العام.
    - النظام الأساسي للشخص المعنوي الخاضع للقانون الخاص.
    - محضر الجمع العام الأخير.
    - لائحة بأسماء الأعضاء المسيرين.
    - محضر تعيين الأشخاص المفوض لهم بالتوقيع والتصرف باسم الشخص المعنوي عند فتحه لملف خاص بشخص معنوي.
    بالإضافة إلى السياسات المتعلقة بطالب التحفيظ فلابد من أن نخص بالذكر المعلومات الخاصة كذلك بالعقار والتي سنذكر أهمها : 
    - وصف العقار المطلوب تحفيظه ونوعه وبيان كذلك مشتملاته من بناءات وأغراس، بالإضافة كذلك إلى موقع ومساحة العقار وحدوده أو الاكتفاء بذكر العقارات المجاورة له، وكذلك بيان الحقوق العينية العقارية المقررة على العقار مع ذكر أصحاب هذه الحقوق.
    وتنبغي الإشارة إلى أن مطلب التحفيظ الأصلي ليس مطلبا نهائيا بل يمكن تعديله كلما طرأت ظروف تستوجب هذا التعديل .
    أما فيما يخص مؤيدات طلب التحفيظ فقد نص المشرع في الفصل 13 من ظهير التحفيظ العقاري الفقرة 8 "بأنه يجب على طالب التحفيظ أن يبين مصدر الحقوق المصرح بها وهل لأمر يتعلق بشراء أم حيازة"... ونص كذلك في المادة14 من نفس الظهير بأنه "على طالب التحفيظ أن يقدم مع مطلبه جميع أصول الرسوم والعقود والوثائق التي من شأنها أن تعرف بحق الملكية،" وتختلف مؤيدات طلب التحفيظ فيما إذا كان مطلب يخص الأملاك العامة أو الخاصة وكذا الأملاك الحسبية والأراضي الجماعية أو السلالية .
    وبعد تقديم مطلب التحفيظ للجهة المعنية وهي المحافظة العقارية فلابد من أن يخضع هذا المطلب لإجراءات الشهر وهذا ما سنحاول الحديث عنه في المطلب الثاني.
    المطلب الثاني : وسائل الإشهار وقصورها. 
    اختار المشرع أن يكون لعملية التحفيظ القدر الكافي في الشهر حتى يحيط بها الجمهور ويتهيأ من يعنيه أمر التحفيظ للدفاع عن حقه، فبعد أن يتلقى المحافظ مطلب التحفيظ ينشر إعلانا به عن طريق مجموعة من الوسائل المتاحة إلا أن هذه الوسائل لا تؤدي الغاية المرجوة منها «الفقرة الأولى» ثم يقوم بعملية التحديد المؤقت من خلال توجيه استدعاء لحضور التحديد المؤقت التي تعتبر محطة أساسية في إخبار عموم الناس إلا أن هذه العملية كذلك يشوبها بعض القصور «الفقرة الثانية».
    الفقرة الأولى: محدودية الوسائل المقررة لإشهار مطلب التحفيظ. 
    أحدث المشرع المغربي في ظل ظهير التحفيظ العقاري مجموعة من الوسائل للإشهار وسوف نتحدث عنها وفق ما يلي : 
    1- النشر في الجريدة الرسمية.
    مباشرة بعدما يتوصل المحافظ بطلب التحفيظ يقوم بوضع ملخص لأهم البيانات التي يتضمنها هذا المطلب، وذلك داخل أجل عشرة أيام من تاريخ إيداع المطلب «الفصل 17» والملاحظ أن هذا الأجل لا يحترم في بعض الحالات بدعوى تراكم طلبات التحفيظ وقلة الوسائل والأطر.
    وقد تم تلافي التأخير في النشر منذ إحداث الجريدة الرسمية التي تختص بإعلانات التحفيظ العقاري وتصدر كل يوم أربعاء بمقتضى المرسوم رقم 2.98.1031 الصادر بتاريخ 2 دجنبر 1998 ، وبالتالي فالهدف من نشر مطلب التحفيظ بالجريدة الرسمية هو إخبار أكبر عدد ممكن من الناس.
    إلا أن الواقع وإكراهاته يفيد أن تقنية النشر بالجريدة الرسمية لا تؤدي وظيفة الإشهار بالشكل المطلوب لأن غالبية الناس لا يعلمون بوجود الجريدة الرسمية وحتى إذا علموا بها فإنهم لا يتتبعون نشراتها إما لجهل القراءة أو لعدم الوعي والاهتمام، وهذا يعني أن النشر بالجريدة الرسمية وسيلة غير ناجعة يجب الاستغناء عنها .
    إذن فكيف يعقل مثلا أن نطلب من الفلاح والحرفي والعامل الذين يجهلون وجود شيء اسمه الجريدة الرسمية تتبع إعلاناتها حتى يستطيعون اكتشاف إعلانات تتعلق بمطالب تحفيظ عقار قد يملكون كلا أو بعضا منه أو يملكون عليها حقوق عينية، مع العلم بأن إمكانياتهم الثقافية والمادية محدودة وأن فرص اتصالهم بها ضئيلة جدا نظرا لبعدهم في غالب الأحيان عن المراكز الحضرية، وإن ميدان استغلال الجريدة الرسمية في بلادنا محدود جدا، كما يظهر ذلك الواقع المعاش، فالإدارات والشركات ومكاتب الأبحاث والمحامون والقضاة وأساتذة القانون وحدهم الذين يتتبعون نشرات الجريدة الرسمية .
    2- التعليق لدى المحكمة الابتدائية : 
    فضلا عن النشر بالجريدة الرسمية، أشار ظهير التحفيظ العقاري إلى وسائل أخرى للإشهار وهي التعليق لدى المحكمة الابتدائية حيث يقوم المحافظ العقاري بإرسال نسخة من مطلب التحفيظ الإعلان عن إجراء التحديد المؤقت إلى المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرة نفوذها العقار لتعليقه في لوحة الإعلانات . إن التعليق لدى المحكمة الابتدائية لا يعطي إلا نتائج جد ضئيلة ولا تمكن هذه العملية إلا عددا قليلا من الأفراد للإطلاع على عملية التحفيظ وذلك الأسباب التالية : 
    - لجهل عدد كبير من الأفراد لمحتوى هذه التعليقات.
    - لعدم التنظيم الذي تتسم به هذه التعليقات، فكثيرا ما نلاحظ على لوحات النشر بالمحاكم، إعلانات متراكمة ومختلطة بعضها يتعلق بالمحجوزات وبعضها يتعلق بالبيوعات القضائية .
    - لبعد المسافة بين مقر المحكمة ومحل سكنى طالب التحفيظ بحكم اتساع دائرة اختصاص المحكمة الابتدائية التي يقع فيها العقار المطلوب تحفيظه 
    3- التعليق لدى السلطة المحلية :
    إن التعليق بمقر قيادة المنطقة الموجود بها العقار موضوع التحفيظ، وكذا مقر الجماعة يعطي نتائج لا بأس بها نظرا للاتصال المستمر والمتبادل بين الأفراد والسلطات المحلية، والجماعات ومع ذلك ففوضى التعليق وتراكمها نشاهدها أيضا في لوحات النشر الموجودة بمقرات السلطة المحلية والمجالس الجماعية وإذا كانت إعلانات المحاكم محدودة النوع فإن الإعلانات الإدارية التي تتعلق بالقيادات والدوائر أو الجماعات لا حصر لها، حيث تتوصل كل جهة بإعلانات كثيرة ومن جهات مختلفة قصد التعليق، مما لا تتسع مع حجم اللوحات، المعدة لذلك فيقع الجمهور في خلط يجعلهم ينفرون حتى من مشاهدة تلك اللوحات .
    الفقرة الثانية : الاستدعاء لحضور عملية التحديد المؤقت.
    تعتبر مرحلة الاستدعاء لحضور التحديد المؤقت مرحلة مهمة في إجراءات ومحطة أساسية في إخبار عموم الناس حيث يتم إبلاغ كل ما يعنيه أمر التحفيظ عن طريق الاستدعاء لحضور التحديد والإطلاع على مطلب التحفيظ، وتتضمن هذه الاستدعاءات الدعوة إلى الحضور شخصيا أو بواسطة نائب بوكالة صحيحة وذلك للمشاركة في عملية التحفيظ وسوف نتحدث في هذه النقطة عن الأشخاص الممكن استدعائهم لحضور عملية التحديد المؤقت وكذلك بعض الثغرات التي تتمخض عن عملية التحديد المؤقت .
    1- الأشخاص الواجب إخبارهم بأمر التحفيظ 
    تستعمل هذه العملية خاصة فيما يتعلق بالتحديد، حيث يستدعى طالب أو طلاب التحفيظ وذوو الحقوق العينية والتحملات العقارية وكذا الجوار المصرح بهم والمتدخلون ، هذا ما نصت عليه الفقرة الثالثة من الفصل 19 من القانون رقم 14.07 «... يستدعي المحافظ على الأملاك العقارية شخصيا لهذه العملية بواسطة عون من المحافظة العقارية أو بالبريد المضمون أو عن طريق السلطة المحلية أو بأي وسيلة أخرى للتبليغ : 
    1- طالب التحفيظ.
    2- المجاورين المبينين في مطلب التحفيظ.
    3- المتدخلين وأصحاب الحقوق العينية والتحملات العقارية المصرح بهم بصفة قانونية وتتضمن هذه الاستدعاءات الدعوة لحضور عمليات التحديد شخصيا أو بواسطة نائب بوكالة صحيحة».
    2- بعض صعوبات التحديد المؤقت 
    فعندما يتم إخبار الأشخاص لحضور التحديد المؤقت التي يشرف عليها المحافظ العقاري بمساعدة مهندس محلف من مصلحة المسح والتصميم وغالبا ما ينيب المحافظ هذا الأخير عنه في عملية التحديد ويبين طالب التحفيظ أو من ينوب عنه حدود العقار المراد تحفيظه، ويحق لكل من يهمه الأمر أن يبدي بملاحظاته، ثم يقوم المهندس بوضع علامات الحدود والأنصاب سواء على الدائرة التي عينها طالب التحفيظ أو على الدائرة محل النزاع بعد هذه العملية يحرر المهندس المساح محضرا بكل ما تم، ويبين من خلاله تاريخ ووقت العملية الأسماء الشخصية والعائلية للحاضرين وصفاتهم ومختلف الأحداث التي وقعت أثناء العملية وتصريحات الأطراف، ويوقع المهندس المساح هذا المحضر كما يوقعه جميع الحاضرين وإذا كان أحدا يجهل التوقيع يشير إلى ذلك في المحضر ومن خلال ما تقدم يتبين أن عملية التحديد تعتبر وسيلة إشهار فعالة، ذلك أن التجمع الناتج عن التحديد المؤقت يلفت الانتباه ويثير السؤال حول سبب هذا التجمع فيشيع الخبر بين أبناء المنطقة الأمر الذي يتيح الفرصة لكل من لهم مصلحة في ذلك أن يتعرض على مطلب التحفيظ.
    فعلى الرغم من الدور الإشهاري الذي تلعبه عملية التحديد المؤقت في إخبار الغير فهناك بعض الثغرات التي تقلل من أهميتها حيث أن الشخص الذي يقوم بهذه العملية هو المهندس الطبوغرافي هذا الأخير يعد خبيرا تقنيا وهندسيا وليس له أي تكوين قانوني يسمح له بمعاينة العقار معاينة قانونية وتسجيل الملاحظات القانونية المهمة، فكيف إذن يمكن لهذا المهندس أن يميز مثلا بين أصحاب الحقوق العينية المترتبة على العقار وذوي التحملات العقارية . 




    المبحث الثاني : التعرضات وتأسيس الرسم العقاري
    لقد فتح المشرع المغربي المجال أمام كل من يعنيه الأمر أن يعلن عن تعرضه على مطلب التحفيظ وذلك خلال الأجل المحدد قانونا، وهكذا فقد نص الفصل 24 من ظهير التحفيظ الجديد على أنه ''يمكن لكل شخص يدعي حقا على عقار تم طلب تحفيظه أن يتدخل عن طريق التعرض في مسطرة التحفيظ''.
    والإجراء الوحيد الذي اتخذه في مقابل هذا الإطلاق هو فرض غرامات وتعويضات على المتعرض في الحالة التي يقدم فيها تعرضه بكيفية تعسفية أو لديه هدف تأخير أو تعطيل مسطرة التحفيظ.وهذا ما يدفعنا إلى الحديث عن التعرض(في المطلب الأول)على أن ننتقل للتطرق لتأسيس الرسم العقاري وأثره في(المطلب الثاني).
    المطلب الأول: التعرض
    إن محاولة دراسة التعرض يقتضي منا التطرق للأشخاص الذين يحق لهم تقديم التعرض، وشكل طلب التعرض، والجهة التي يقصد إليها، وأجل التعرض وقرارات المحافظ العقاري بشأنه.
    الفقرة الاولى: المرحلة الإدارية للتعرض
    أولا: لمن يثبت حق تقديم طلب التعرض وشكله والجهة التي يقدم إليها:
    I. لمن يثبت حق التعرض:
    ينص الفصل 24 من قانون 07-14 على أنه ''يمكن لكل شخص يدعي حقا على عقار مطلوب تحفيظه أن يتدخل عن طريق التعرض في مسطرة التحفيظ وذلك في الحالات التالية:
    -في حلة المنازعة في وجود حق الملكية لطالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار
    - في حالة المنازعة في وجود حق عيني قابل للتقييد بالرسم العقاري الذي سيتم تأسيسه.
    - في حالة المنازعة في حق وقع الإعلان عنه طبق الفصل 84 من هذا القانون"
    وبهذا فحق التعرض منح لمن له حقوق على العقار موضوع طلب التحفيظ إلا أنه لا ينبغي التعسف في استعمال هذا الحق.
    وتقدم التعرضات أحيانا من طرف المالك على الشياع حينما ينازع شريكه في حصته أو في حدوده.
    ويمكن تقديم التعرضات نيابة عن القاصرين وفاقدي الأهلية وناقصيها وعن الغائبين وعن المفقودين وذلك من طرف ممثليهم القانونيين (الولي، الوصي، المقدم) أو من قبل القاضي المكلف بالقاصرين أو النيابة العامة، أو من طرف الوكيل شريطة أن يثبت كل هؤلاء نيابتهم القانونية أو وكالتهم .
    ولا يمكن للمتعرض المطالبة إلا بحقوق عقارية قابلة للتقييد بالدفاتر العقارية، هذا المتعرض الذي في الغالب يكون شخصا طبيعيا، ويمكن أن يكون شخصا معنويا بشرط تمتعه بالشخصية القانونية.
    وإذا كان العقار المطلوب تحفيظه موضوع نزاع معروض على المحكمة ولم يتم البث فيه بعد، فإن من مصلحة المتعرض أن يحيط المحافظ العقاري علما بوجود دعوى قائمة تخص نفس العقار، ويتعين عليه إثارة انتباه المحكمة بأن ذلك العقار قد طلب بشأنه التحفيظ، حتى يضم الملف القائم إلى ملف التعرض ليتأتى للمحكمة حسم الموضوع مرة واحدة، وذلك ربحا للوقت وتجنبا لصدور أحكام متناقضة.
    II. شكل مطلب التعرض
    إن الفصل 25 من ظهير 12 غشت 1913، لم يجعل من التعرض الكتابي شرطا ضروريا بحيث يمكن أن يقدم شفاهيا أو كتابة، ومعنى هذا أنه يمكن تلقي التعرضات لدى المحافظات العقارية بكيفية شفوية بحيث يتقدم المتعرض ويدلي بتصريحاته للمحافظ مباشرة شريطة أن يتوفر على المعلومات الكافية والضرورية لتعيين العقار موضوع التعرض حيث يعمل المحافظ على تهييئ محضر الحضور يدون فيه تصريحات المتعرض .
    ويجب أن يشمل التعرض، سواء كان شفاهيا أو كتابيا على البيانات اللازمة:
    - هوية المتعرض
    - عنوانه الحقيقي في مقر المحافظة
    - اسم الملك ورقم مطلب التحفيظ وطبيعته ومدى الحق موضوع النزاع
    - بيان السندات والوثائق المدعمة للطلب.
    إن المشرع ترك المجال واسعا للإدلاء بكل الحجج رسمية كانت أم عرفية قصد تقييد طلب التعرض، وهذه الحجج إما تتعلق بالعقار موضوع التعرض، أو تتعلق بصفة المتعرض.
    ويجب أن يقدم المتعرض هذه الوثائق إلى الجهة المختصة، فإن لم يفعل سجل التعرض في سجل خاص بهذا النوع من التعرضات، ثم يوجه المحافظ إنذارا إلى المعني بالأمر ينبهه فيه إلى ضرورة إيداع تلك المستندات والحجج، مع تنبيهه إلى أن كل متعرض ثبت أنه غير جدي يستوجب الحكم على صاحبه بغرامة .
    وإذا كان طلب التعرض باسم الغير فيجب أن يثبت المتعرض هويته وأن يبرز صفته، وأن يعطي كل الوثائق المتطلبة قانونا، وأن يدلي برسوم الإراثات عندما يتعلق الأمر بشركاء في الإرث.
    ويجب على المتعرضين أن يودعوا السندات والوثائق المثبتة لهويتهم والمدعمة لتعرضهم ويؤدوا الرسوم القضائية وحقوق المرافعة، وأن يدلوا بما يثبت حصولهم على المساعدة القضائية وذلك قبل انصرام الشهر الموالي لانتهاء أجل التعرض .
    وإذا كان مبلغ هذه الصوائر محددا في الظهير المتعلق بالصوائر القضائية، فإنه يمكن للمتعرض أن يطلب من المحافظ تخفيض تلك الوجيبة القضائية، وحينئذ يكون للمحافظ أن يقرر تحفيض تلك الوجيبة بحسب تقديره لأهمية النزاع .
    III. الجهة التي يقدم إليها التعرض
    لقد حرص المشرع المغربي من خلال القانون 07-14، الجهة المختصة في تلقي التعرضات في المحافظ على الاملاك العقارية، والمهندس المساح الطبوغرافي المنتدب من طرفه أثناء عملية التحديد ، وهذا بعدما كان الفصل 25 من ظهير التحفيظ في صيغته القديمة قبل التعديل قد وسع من الجهات التي يمكن أن يقدم إليها التعرض، وهي المحافظة العقارية بصورة أصلية، ثم لدى المحكمة الابتدائية أو لدى قاضي التوثيق أو لدى القيادات بصورة استثنائية، ويجب أن تكون هذه الجهات واقعة في الدائرة التي يقع بها العقار.
    وسبب هذا الحصر يرجع أساسا إلى أن تقديم التعرض لدى جهات غير المحافظة يخلق مصاعب للمتعرضين وللمحافظين كذلك، ذلك أن السلطات المحلية وحتى المحكمة غير متخصصة في تسلم التعرضات خاصة إذا كانت شفاهية، وقد لا تعيرها الاهتمام اللازم نظرا لانشغالها بأعمال أخرى تعتبر أهم من تقبل التعرضات .هذا وتدون التصريحات الشفوية للمتعرض بحضوره في محضر يحرر في نسختين، تسلم إليه إحداهما.
    ثانيا: أجل التعرض وسلطات المحافظ العقاري بشأنه.
    I. أجل التعرض.
    يمكن لكل شخص أن يتقدم بتعرضه ابتداء من اليوم الذي تقدم فيه طالب التحفيظ بمطلبه، ولكن الاجل الذي يتعين فيه على المعني بالأمر أن يتقدم بتعرضه خلاله هو شهران، ابتداء من يوم نشر الإعلان عن انتهاء التحديد المؤقت في الجريدة الرسمية .
    ولا يقبل أي تعرض وقع خارج الاجل المذكور إلا بصفة استثنائية، وبقرار يصدر عن المحافظ على الأملاك العقارية، ولم يرد على مطلب التحفيظ أي تعرض سابق وذلك إذا تحققت الشروط التالية:
    1- ألا يكون الملف قد وجه إلى المحكمة الابتدائية.
    2- أن يدلي المتعرض بالوثائقة المدعمة لتعرضه.
    3- أن يؤدي الرسوم القضائية وحقوق المرافعة أو يثبت حصوله على المساعدة القضائية.
    ويتمتع المحافظ بصلاحيات واسعة في هذا المجال ودون حاجة إلى تبرير قراره بقبول التعرض خارج الأجل، وبمقتضى التعديل الجديد بواسطة القانون 07-14، فإن إمكانية تقديم التعرض أمام السيد وكيل الملك حينما يحال الملف على المحكمة أصبحت غير ممكنة فقد أصبح مجال تقديم التعرض محصورا في المحافظ العقاري وحده دون غيره .
    ويخالف الدكتور محمد خيري هذا التوجه بقوله "نحن لا نشاطر هذا الرأي إذا كان يتعين فتح إمكانية التعرض الاستثنائي ليس أمام النيابة العامة، بل أمام رئيس المحكمة بوصفه قاضيا للمستعجلات وذلك حينما يكون ملف التعرض المحال على المحكمة أو بواسطة التدخل الإرادي، وذلك حتى تتاح الفرصة للمتعرض للتدخل في النزاع مادام الملف رائجا أمام المحكمة الابتدائية وهي تنظر في الموضوع" 
    ويكون قرار المحافظ بشأن التعرضات غير قابل للطعن القضائي.
    II. قرارات المحافظ بشأن التعرض
    إن صلاحيات المحافظ بشأن التعرضات هي صلاحيات نسبية تختلف عن صلاحياته في التحفيظ، فتقديم طلب التعرض يفرض على المحافظ اتخاذ قرار بشأنه وذلك إما بقبوله أو برفضه.غير أن هذه الصلاحيات أصبحت مطلقة بموجب القانون 07-14، ذلك أنه بعدما كان الفصل 32 من القانون القديم يعطي الحق للأطراف للطعن في قرار المحافظ العقاري ولو بطريقة غير عادية إذا كان رفضه للتعرض بسبب عدم الإدلاء بالوثائق المثبتة للحق وتتمثل هذه الطريقة غير العادية في أنه يكون: 
    -أمام المحكمة الابتدائية استئنافا
    - خلال 15 يوما
    - يبث فيه بصفة استعجالية
    - يكون القرار انتهائيا.
    ولا يقبل الطعن إذا كان رفض التعرض بسبب تقديمه خارج الاجل، أو لعدم أداء الرسوم القضائية أمام المحافظ العقاري، غير أن الفصل 32 من القانون 07-14، ساوى بين الحالات الثلاث واصبح قرار المحافظ العقاري غير قابل لأي طعن.
    وإذا رأى المحافظ العقاري أن للتعرض قد استوفى جميع الشروط الشكلية والجوهرية فلا يكون أمامه إلا قبول هذا التعرض، فإذا قبل هذا التعرض فقد اعطاه المشرع الحق في مصالحة الأطراف، وفي جميع الأحوال فإن المحافظ العقاري يبذل كل ما في وسعه ويستعمل كل سلطاته من أجل إنهاء هذا الخلاف، فإذا نجح في مساعيه فإنه يحرر محضرا بذلك يوقعه كل من المتعرض وطالب التحفيظ تكون له قوة الالتزام العرفي، أما إذا عجزت عن إجراء هذه المصالحة فإنه يكون مضطرا لإحالة الملف على القضاء 
    والملاحظ أن إعطاء المحافظ العقاري الحق في مصالحة الأطراف هو دليل على تأكيد الصفة الإدارية لمسطرة التحفيظ، وإضفاء الصفة القضائية على سلطات المحافظ العقاري ويظهر ذلك جليا من خلال:
    - تلقي المستندات والوثائق المثبتة للحق
    - تلقي الرسوم القضائية
    - إجراء المصالحة بين الأطراف (المتعرض، وطالب التحفيظ)
    - التحقق من صحة البيانات والمستندات المثبتة للحق
    ومن محاسن إجراء الصلح أمام المحافظ تخفيف الضغط على المحاكم، لكن هذه الوسيلة إبان الاستعمار كانت تستعمل للضغط على المتعرض للتخلي عن حقوقه
    III. بعث الملف إلى المحكمة
    إذا وقعت تعرضات فإن المحافظ على الاملاك العقارية يبلغ فورا بنسخة من مضمونها إلى طالب التحفيظ الذي يمكنه قبل انصرام الشهر الموالي لانتهاء أجل التعرض أن يثبت أمرين:
    - إما أن يدلي بما يثبت رفع التعرض، عن طريق إقناع المتعرض بالتنازل أو إجراء صلح...، وفي هذه الحالة يباشر المحافظ إجراءات تأسيس الرسم العقاري .
    - وإما أن يصرح بقبول التعرض أو لا يعمل على إزالته، وفي هذه الحالة يحاول المحافظ إجراء مصالحة بين الأطراف فإذا لم يتوفق يبعث بالملف إلى المحكمة ليدخلا في غمار مرحلة قضائية تنتهي بصدور حكم يفصل بين الطالب والمتعرض .
    الفقرة الثانية : المرحلة القضائية للتعرض
    إذا لم يتم الصلح بين طالب التحفيظ وبين المتعرضين بالرغم من محاولاته هو أو المحافظ أو هما معا، وبقي كل من الطرفين على موقفه، يوجه المحافظ إنذارا أخيرا إلى المتعرضين لكي يؤدوا داخل ثلاثة أشهر صوائر التعرض، ويضعوا لدى المحافظة العقارية ما لديهم من الوثائق والرسوم التي تؤيد تعرضاتهم مع إشعارهم بأن المحكمة لن تقبل منهم أي رسم أو وثيقة يقع الإدلاء بها منهم أمامها ، ثم يحيل الملف على المحكمة الابتدائية.
    أولا: المرحلة الابتدائية
    بمجرد ما يصل الملف إلى المحكمة الابتدائية يسجل في كتابة الضبط ويحال على رئيس المحكمة ليعين القاضي المقرر الذي يكلف بالنظر في هذه القضية والعمل على تهييئ تقرير يعول عليه أثناء المداولة مع باقي الأعضاء الذي يعتبر موضوع النازلة بالنسبة إليهم غير معايش من الجانب الواقعي بقدر ما عايشه القاضي المقرر .
    ويمكن للقاضي المقرر من أجل تجهيز القضية للحكم، اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة، حيث يمكنه إما تلقائيا أو بطلب من احد الأطراف أن ينتقل إلى عين المكان لإجراء الابحاث الضرورية ويطبق عليها الرسوم، وهو غير ملزم بضرورة الوقوف على العقار المراد تحفيظه .
    كما يمكنه أن ينتدب قاضيا من قضاة المحكمة القريبة من العقار للقيام بهذه العملية بعد أن يحدد له المهمة التي يطلب منه إنجازها، والبيانات التي يريد الحصول عليها من هذا الوقوف، ويمكنه أن يستعين كذلك بمهندس مساح طبوغرافي تابع لمصلحة التخطيط للوقوف معه قصد إجلاء بعض النقط التي يرد إيضاحها أو التأكد منها .
    ويمكنه كذلك أن يتلقى جميع التصريحات والشهادات ويستمع إلى الشهود، وعندما يرى القاضي المقرر أن القضية أصبحت جاهزة للحكم يخبر الأطراف بيوم الجلسة العلنية التي ستعرض فيها القضية وذلك قبل موعدها بثمانية ايام على الاقل بعد التوصل بالاستدعاء يضاف إليها أجل المسافة إن اقتضى الحال.
    وعند افتتاح المناقشات يوم الجلسة العلنية يعرض القاضي المقرر القضية ويعين المسائل التي تتطلب حلا دون أن يبدي أي رأي، ثم يقع الاستماع للأطراف، ويقدم ممثل النيابة العامة مستنتجاته، ثم يفصل في القضية إما في الحين وإما بعد المداولة.
    تبث المحكمة في وجود الحق المدعى به من قبل المتعرضين في طبيعته ومشتملاته ونطاقه، وتحيل الأطراف للعمل بقرارها بعد اكتساب الحكم قوة الشيء المقضي به، على المحافظ على الاملاك العقارية الذي له وحده النظر في قبول أو رفض مطلب التحفيظ كلا أو بعضا مع الاحتفاظ بحق الطعن.
    والجديد الذي جاء به قانون 07-14 أن المحكمة أصبح لها الحق في أن تبث في حقوق المتعرضين بعضهم تجاه البعض الآخر، حيث أن الأحكام الصادرة في شأن التعرضات يكون لها قوة الشيء المقضي به تجاه كل الأطراف.
    والحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية يجب ان يبلغ ملخصه إلى طالب التحفيظ، وجميع المتعرضين، وهذا الحكم يكون قابلا للاستئناف مهما كانت قيمة العقار .

    ثانيا: مرحلة الاستئناف
    بمجرد توصل المحكمة بملف النزاع يعين الرئيس الأول مستشارا مقررا يقوم بتوجيه إنذار للمستأنف من أجل الإدلاء بأسباب استئنافه، ووسائل دفاعه، خلال أجل لا يتعدى 15 يوما، ثم يستدعي الأطراف المعنية بالأمر للاطلاع على ما ادلى به المستأنف من اجل إبداء منازعاتهم، ووسائل دفاعهم خلال اجل لا يتعدى 15 يوما كذلك.
    ويمكن للمستشار المقرر أن يقوم بكل الإجراءات اللازمة لتحضير القضية من الوقوف على عين المكان، وطلب مساعدة مهندس مساح طبوغرافي محلف من جهاز المسح العقاري، ومقيد في جدول الهيئة الوطنية للمهندسين المساحين الطبوغرافيين، من أجل تطبيق الرسوم والاستماع للشهود، ويمكنه بعد طلب موافقة الرئيس الأول أن ينتدب لهذه العمليات قاضيا من المحكمة الابتدائية .
    ولا يمكن للاطراف أن يتقدموا بأي طلب جديد أما محكمة الاستئناف، حيث يقتصر التحقيق الإضافي المنجز من قبل المستشار المقرر على النزاعات التي أثارها مطلب التحفيظ في المرحلة الابتدائية.
    وعندما يتبين للمستشار المقرر أن القضية أصبحت جاهزة للبث فيها وأن الإجراءات قد تمت يصدر قرارا بالتخلي، ويعين تاريخ الجلسة التي ستدرج فيها القضية، ثم يوجه الاستدعاء للأطراف جميعا قبل 15 يوما على الاقل من تاريخ الجلسة .
    تفتتح المناقشات بتقرير المستشار المقرر الذي يعرض القضية والمسائل المطلوب حلها من غير أن يبدي أي رأي، ثم يستمع إلى الاطراف إما شخصيا أو بواسطة محامي، ويقدم ممثل النيابة العامة استنتاجاته، وتبث محكمة الاستئناف في القضية إما في الحين أو بعد المداولة.
    وتكون الاحكام التي تصدرها محكمة الاستئناف حضورية دائما، بحيث لا تقبل التعرض ولو لم يحضر الأطراف أو بعضهم أثناء الجلسة العلنية.
    وتبث محكمة الاستئناف ضمن الحدود وطبق الكيفية المرسومة لقضاة الدرجة الأولى كما هو منصوص عليه في الفصل 37 من قانون 07-14، ويبلغ القرار الاستئنافي وفق الكيفية المقررة في قانون المسطرة المدنية ويكون قابلا للطعن فيه بالنقض داخل الآجال المحددة.

    المطلب الثاني: تأسيس الرسم العقاري وآثاره
    الفقرة الاولى: تأسيس الرسم العقاري
    خلال الثلاثة أشهر الموالية لانصرام اجل التعرض يقوم المحافظ على الاملاك العقارية بتأسيس الرسم العقاري بعد التحقق من إنجاز جميع الإجراءات المقررة ومن شرعية الطلب وكفاية الحجج المدلى بها وعدم وقوع أي تعرض، هذا في حالة عدم وجود تعرضات، وفي الحالة التي توجد فيها تعرضات ويحال الملف على المحكمة، و يصبح الحكم نهائيا ويكون مؤيدا لطلب التحفيظ فإن المحافظ العقاري يقوم كذلك بتأسيس الرسم العقاري بعد أن تحيل عليه المحكمة ملف التحفيظ .الرسم العقاري يتضمن وصفا مفصلا للعقار مع حدوده وبيان الأملاك المجاورة والملاصقة له ونوعها ومساحتها،إضافة إلى الإسم الشخصي والعائلي للمالك ومحل سكناه وحالته المدنية وجنسيته وإن اقتضى الحال اسم الزوج والنظام المالي للزواج وكل اتفاق تم طبقا لمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة، ويتضمن في حالة الشياع نفس البيانات المذكورة أعلاه بالنسبة لكل شريك مع التنصيص على نصيب كل واحد منهم،أما إذا كان المالك شخصا اعتباريا فيجب بيان تسميته وشكله القانوني ومقره الاجتماعي وممثله القانوني،كما يتضمن كذلك -الرسم العقاري- بيان الحقوق العينية العقارية المترتبة عن العقار، ويعطى لهذا الرسم العقاري رقما ترتيبيا واسما خاصا به، ويلحق به تصميم العقار.
    ويمكن للمالك المقيد أن يطلب تغيير اسم العقار وينشر هذا الطلب في الجريدة الرسمية، ويقيد في سجل الإيداع.
    وللمالك دون غيره الحق في أخذ نظير من الرسم العقاري ومن التصميم الملحق به،ويشهد المحافظ بصحتهما بإمضائه ووضع خاتم المحافظة العقارية عليهما، وفي حالة الشياع لا يسلم إلا نظير واحد للشريك المفوض له لذلك أما باقي أصحاب الحقوق العينية فيمكنهم الحصول على شهادة خاصة بالتقييد فقط.
    الفقرة الثانية: آثار الرسم العقاري 
    يترتب على تأسيس الرسم العقاري بطلان ما عداه من الرسوم وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة فيه، كما يعتبر هذا الرسم نهائيا ولا يقبل الطعن ويعتبر نقطة الانطلاق الوحيدة لكل الحقوق العينية والتحملات العقارية المترتبة على العقار وقت تحفيظه.والحقوق غير المقيدة على الرسم العقاري تعتبر في حكم العدم ولا يمكن إقامة أي دعوى عينية أو أي حق عيني على العقار.
    ثم إن التقادم لا يكسب أي حق عيني على العقار المحفظ في مواجهة المالك المقيد كما لا يسقط أي حق من الحقوق العينية المقيدة بالرسم العقاري، ويمكن للمتضررين من التحفيظ أن يطالبوا بالتعويض فقط في حالة التدليس عن طريق رفع دعوى شخصية بأداء التعويضات ضد مرتكب التدليس ويمكن للمتضررين من التحفيظ في حالة إعسار المدلس أن يلجأ إلى صندوق التأمينات المحدث بمقتضى الفصل 100 من هذا القانون من أجل الحصول على التعويض.
     
    خاتمة
    من خلال ماسبق يظهر لنا ان الرسم العقاري لا يؤسس إلا بعد المرور بمرحلة إدارية تشتمل على مجموعة من الإجراءات المعقدة ، وقد تتخلل هذه المرحلة الإدارية مرحلة قضائية إذا كان هناك تعرض ولم يصل طالب التحفيظ مع المتعرض إلى حل يرتضيه هذا الأخير ويتنازل.
    وبمجرد ما يؤسس الرسم العقاري يصبح الملك مطهرا من كل الحقوق غير المضمنة فيه ولا يمكن الطعن فيه إلا في حالات استثنائية كدعوى تصحيص في التحديد.
    ومن هنا يجب على المحافظ العقاري تدقيق البحث والعمل على أن يصدر الرسم العقاري في إسم صاحب الحق لاغيره،كما أنه يجب تشديد العقوبة على المتعرض الكيدي وعدم الاكتفاء بمجرد الغرامات لأنه بتعرضه يطيل المسطرة ويكثر من المصاريف.
    ولحث ملاك الأراضي الغير المحفظة على تحفيظ أراضيهم لابد من تحفيظ مصاريف التحفيظ .
    هذا ويعتبر نظام التحفيظ من الوسائل الأساسية لتحقيق التنمية ذلك أنه يعتبر من أساسيات النظام الراسمالي،غير ان مايعاب عليه هو ابعاده الإدارة عن رقابة القضاء وجعل قرار المحافظأسمى من حكم المحكمة .
     
    لائحة المراجع:
    - ادريس الفاخوري، مدونة الحقوق العينية على ضوء القانون 08.39، الطبعة الاولى، 2012.
    - مقال لمصطفى الفضالي، طالب باحث في سلك الدكتوراه، كلية الحقوق السويسي –سلا-، منشور بمجلة المنارة، العدد الرابع، السنة الثانية، يونيو 2013.
    - محمد خيري، مستجدات قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، طبعة 2013.
    - محمد ابن الحاج السلمي : سياسة التحفيظ العقاري في المغرب بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي والاقتصادي، رسالة لنيل دبلوم السلك العالي، السنة الجامعية 1977-1978.
    - محمد محبوبي، أساسيات القانون العقاري المغربي، الجزء الأول، السنة 2013،2014.
    - مقال الأستاذ ليري (باللغة الفرنسية) 
    Pierre L’erris : La publicité de pré-immatriculation 
    - محمد خيري، حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب، مطبعة المعارف، طبعة 2001،
    - عبد العالي الدقوقي، البكاي المعزوز، محاضرات في نظام التحفيظ العقاري، دراسة في القانون العقاري 14.07 المغير والمتمم لظهير التحفيظ العقاري، مطبعة سجلماسة، مكناس، طبعة 2012-2013
    - القانون رقم 14/07 
    - قانون المسطرة المدنية 
    - القانون رقم 39/08 
    - محمد ابن معجوز، الحقوق العينية في الفقه الإسلامي والتقنين المغربي، الطبعة الثانية 1999
    - مقال للأستاذ علي الهلالي، مستشار بالمجلس الأعلى، منشور بمجلة القضاء والقانون العدد 152، سنة 2006.
    - مجلة ملفات عقارية، محكمة النقض العدد 1، سنة 2012.






    dimanche 12 novembre 2017

    إصلاح قانون الإضراب بالمغرب ضروراته ومداخله.


    إصلاح قانون الإضراب بالمغرب
    ضروراته ومداخله





    ذ.محمد الشرقاني 
    كلية الحقوق بمراكش

    مقدمـة:
    إذا كان معروفا عن الإضراب، لأول وهلة وبالنظر لمضمونه الاجتماعي أنه تجربة قوة ونوع من التحدي لسلطة المشغل أو الدولة ومظهر من مظاهر الصراع الاجتماعي بين أطراف ذات مصالح متعارضة من شأنه خلق التوتر بينها، وبالنظر لمضمونه الاقتصادي كمحاولة للضغط على الخصم إرباك السير العادي لإنتاج المؤسسة وتكليفها خسارة اقتصادية، إذا كان الأمر كذلك فإن الإضراب منظور إليه في أبعاده العميقة يؤدي تجذ ير ممارسته المسؤولة والمنظمة إلى تحقيق أهداف عكس ما يوحي به التحليل السطحي لمضمونه باعتباره (الإضراب) مصدر توتر اجتماعي واضطراب اقتصادي.


    فالإضراب إذ يهدف، في بعده الاجتماعي، إلى تعزيز المشاركة العمالية في القرارات التي تهم المؤسسة وتقوية مكانة الطبقة الشغيلة كطرف أساسي في علاقات الشغل، ينتهي ـ بعد إخماد التوتر المؤقت الذي يصاحبه ـ إلى تنمية علاقات "صحية" منسجمة بين أطراف الشغل وإقرار سلم اجتماعي على قاعدة ما أفرزه الإضراب من مفاوضات ومصالحة...
    والإضراب إذ يهدف، في بعده الاقتصادي، إلى تقليص هامش اللامساواة الاقتصادية بين أطراف الإنتاج بتحسين الأوضاع المهنية للعمال وضمان مستوى مناسب للعيش برفع معدل الأجور وضمان الامتيازات الاجتماعية المرتبطة به يحقق في النهاية، لا محالة، انتعاشا في وتيرة الاقتصاد الوطني...
    لذلك فإن ممارسة الحقوق التي يضمنها تشريع الشغل، ومنها حق ـ الإضراب تساهم ـ كما هو بالضبط موضوع هذه الندوة ـ في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
    وبديهي أن تحقيق الإضراب لأهدافه السابقة الذكر لا يتم إلا إذا كان ضمانه كحق، ولو بنص دستوري، مشمولا بحماية تشريعية منظمة تعزز تكريس مشروعية الدستورية.

    هذا في وقت تكشف لنا تجارب حركات الإضراب الواسعة التي شهدها المغرب في العقدين الأخيرين وخاصة الإضرابات العامة لسنوات 1979، 1981 و1990 وما أفرزته من أحداث نوعية اجتماعية وسياسية وجدل قانوني صاخب، إن الضمان الدستوري لحق الإضراب (الفصل 14) مع استمرار تعليق إصدار القانون التنظيمي الذي ينتظر منه تحديد شروط وإجراءات ممارسة هذا الحق، لم يكن كافيا لضمان حماية حقيقية لهذا الحق بأفق تكريس مشروعيته، بل سيسمح هذا الصمت التشريعي ـ وبجانب عوامل أخرى مختلفة الأبعاد ـ بانبعاث تنظيم قانوني وإن كان مصدره ليس هو القانون التنظيمي المنتظر صدوره بالمسطرة الخاصة المعروفة عنه، إلا أنه تنظيم مكتمل المكونات والمصادر ساهمت في تكريسه "الاجتهادات" القضائية والخطابات الرسمية والتي تنتهي إلى التضييق من نطاقه مشروعية حق الإضراب، إلى حد أن كاد هذا التنظيم أن يرتقي إلى مستوى "نظام قانوني" يحكم ممارسة هذا الحق أريد به أن يصبح بديلا عن القانون التنظيمي الموعود به.
    على قاعدة هذه الفرضية تبلورت قناعتنا بإصلاح الإطار القانوني للإضراب وذلك لضرورات متعددة نعالجها في محور أول مع التفكير في محور ثاني في المداخل الممكنة لتحقيق هذا الغرض.

    المحور الأول: ضرورات الإصلاح.
    لاشك أن عوامل عديدة تقف وراء الإلحاح في رفع نداء إصلاح الإطار القانوني الذي يمارس ضمنه حق الإضراب، والمتمثلة خصوصا في التحديات التي يواجهها من جهات مختلفة وواجهات متعددة.
    وهي التحديات التي نعتقد أنها برزت وانتعشت بفعل طبيعة الوضع السياسي والاقتصادي العام وكذا بسبب استمرار تعييب القانون التنظيمي الذي مازال المشرع مترددا في إصداره في وقت صدرت فيه جميع القوانين التنظيمية الأخرى المهتمة بمجالات قانونية مختلفة.
    وهكذا فعلى الرغم من الضمان الدستوري الصريح لحق الإضراب فما زال هذا الضمان، سواء على مستوى القانون أو الواقع، هشا بفعل استمرار حضور مواقف متعددة تنتهي بشكل أو بآخر إلى المس بمبدأ المشروعية الدستورية لهذا الحق أو في أفضل الحالات إلى تقليص نطاق هذه المشروعية وتقييد ممارسة هذا الحق.
    وهي المواقف التي تستنتج سواء من النصوص التشريعية أو من بعض الاجتهادات القضائية وكذا من خطابات وممارسات أرباب العمال والسلطة العامة بمناسبة بعض حركات الإضراب الواسعة.
    نعالج إذن هذه المواقف من خلال الاستنتاجات الثلاثة التالية:
    أولا: ضعف التكريس التشريعي للضمان الدستوري لحق الإضراب.
    ثانيا: انتعاش التطبيقات والاجتهادات القضائية المقلصة لنطاق مشروعية حق الإضراب.
    ثالثا: تصاعد مواقف الخصم الاجتماعي والسياسي المتعارضة مع الاعتراف الدستوري بحق الإضراب.
    أولا: ضعف التكريس التشريعي لضمان الدستور لحق الإضراب.
    إذا كان واضحا أن الاعتراف بمشروعية حق الإضراب لم يعد من حيث المبدأ، محل شك بصدور أول دستور مغربي الذي توج في الواقع الاعتراف التشريعي الضمني بهذا الحق من خلال نصوص سابقة مثل ظهير 19 يناير 1946 الذي سمح باللجوء إلى الإضراب بعد استنفاذ مسطرة المصالحة والتحكيم، وقانون الحريات العامة لسنة 1958 الذي لم يمنع الإضراب والقانون الجنائي الذي لم يجرم ممارسة هذا الحق من حيث المبدأ، إذا كان الأمر كذلك، فإن ضعفا مازال يكتنف موقف المشرع يتمثل في تجاوزه لهذا الاعتراف الدستوري الصريح بحق الإضراب من خلال مواقف تتراوح بين منع ممارسة هذا الحق بالنسبة لبعض القطاعات المهنية(I) وفرض قيود على ممارسته بالنسبة للفائت الاجتماعية المستفيدة منه من حيث المبدأ(II).
    1)فعلاوة على تدخل المشرع ـ وبعد صدور الدستور ـ لمنع ممارسة الإضراب على بعض العاملين في القطاع العام كرجال الأمن(1) والجيش والعاملين بإدارة السجون(2)ورجال القضاء(3) وتمديد هذا المنع إلى بعض العاملين في بعض المهن الحرة كالمحامين الذين لا يحق لهم الاتفاق على إيقاف المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاة(4)، فقد أريد تعميم هذا المنع ـ قسرا ـ على جميع الموظفين من خلال "بعث" مرسوم 5 فبراير 1958 الذي يمنع فصله الخامس ممارسة الإضراب على الموظفين وأعوان الإدارة والمكاتب والمؤسسات العمومية وهو المرسوم الذي تم "تعزيزه" بإصدار منشورات وزارية لاحقة تذكر بمضمونه(5).
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1)الفقرة الثانية من الفصل الخامس من ظهير فاتح مارس 1963 بشأن النظام الأساسي الخصوصي للمتصرفين بوزارة الداخلية.
    (2)الفصل 35 من ظهير 2 فبراير 1967 والفصل 24 من مرسوم 12 نونبر 1974.
    (3)الفقرة الثانية من الفصل 13 من ظهير 11 نونبر 1974 بمثابة قانون أساس رجال القضاء.
    (4)الفقرة الأولى من الفصل 34 من ظهير 21 نونبر 79 بشأن تنظيم مهنة المحاماة.
    (5)مثال المنشور الصادر عن وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري في 20 يوليوز 1960 وكذا المنشور الصادر عن الوزير الأول في 7 أبريل 1979.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    وبجانب موقف المنع يلاحظ استمرار تبني المشرع لموقف تقييد ممارسة حق الإضراب بالنسبة للفئات العاملة المستفيدة منه، وذلك إما بتعليق مشروعية الإضراب على ضرورة الاستنفاذ المسبق لبعض الإجراءات الإدارية المتمثلة في مسطرة المصالحة والتحكيم (أ) أو بالسماح للسلطة العامة بتوقيف أية حركة حتى ولو كانت مشروعة منذ البدء في صيغتها وهدفها عن طريق التقنية المعروفة بنظام "التسخير" (ب) ما تجريم بعض الأفعال المرتكبة بمناسبة الإضراب (ج).

    أ)فالإضراب يظل في إطار ظهير 19 يناير 1946 غير مشروع إذا تجاوز منظمه اللجوء الإلزامي إلى مسطرة المصالحة والتحكيم وذلك تحت طائلة عقوبات تأديبية تصل في حالة العود إلى غرامة 60 ألف درهم (الفصل 34)، وجزاءات أخرى ضد الطرف الذي لم يلتزم بتطبيق القرار الذي أسفرت عنه هذه المسطرة بعد أن اختار الخضوع لها في البداية.

    ب ـ كما تخضع، تطبيقا للظهيرين المتعلقين بنظام التسخير(6) مواصلة حركة الإضراب رغم قرار التسخير المتخذ من جانب السلطة العامة إلى عقوبات زجرية تنتهي بالمضربين المتمسكين بممارسة حقهم في الإضراب، إلى السجن.

    ج ـ بل إن المشرع الجنائي سيذهب إلى حد تخصيص عقوبة قاسية تصل إلى حد المنع من الإقامة لمدة خمس سنوات ضد العمال المرتكبين ـ أثناء ممارسة حق الإضراب ـ بما يعرف بجريمة المس بحرية الشغل(7).

    ثانيا: انتعاش التطبيقات والاجتهادات القضائية المقلصة لنطاق مشروعية حق الإضراب.
    على الرغم من الإقصاء القانوني للقضاء المغربي من مجال البث في نزاعات الشغل الجماعية، فإن انزلاق الإضراب من نزاع جماعي بالمؤسسة إلى نزاع فردي أمام القضاء قد أتاح لهذا الأخير فرصا عديدة للتأكيد من حيث المبدأ ـ بصفة صريحة أو ضمنية ـ على مشروعية حق الإضراب سواء قبل صدور الدستور متأثرا في ذلك بما وصل إليه النظام القانوني للإضراب بفرنسا من تكريس لمشروعية حق الإضراب، الدستور الفرنسي لسنة 1946 وقانون 11 فبراير 1950(8)، أو بعد صدور الدستور معتمدا في ذلك على الفصل 14 كسند قوي لمبدأ المشروعية وذلك من خلال العديد من القرارات نشير منها على سبيل المثال إلى:
    ـ الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بمكناس بتاريخ: 30 مارس 1982(9).
    ـ الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بأكادير بتاريخ: 25 غشت 1983(10).
    ـ الحاكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بتاريخ 6 يناير 1984(11).
    ـ وآخر بتاريخ 11 يونيه من نفس السنة(12).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (6)ظهير 11 ماي 1931 المتعلق بالتسخير الذي يباشر لأجل المحافظة على الأمن والراحة والصحة العمومية وظهير 13 شتنبر 1938 المتعلق بالتنظيم العام للبلاد خلال فترة الحرب.
    (7)الفصل 288 من القانون الجنائي.
    (8)مثال حكم محكمة الشغل بالدار البيضاء الصادر في 27 يونيه 1962 الذي ذهب إلى حد اعتبار ممارسة حق الإضراب مشروعة حتى مع تجاوز مسطرة المصالحة والتحكيم.
    (9)منشور بالمجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد. العدد 15 السنة 1984 الصفحة: 195 (الحكم عدد: 558).
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    هذا وإن ظلت مساهمة القضاء المغربي في تحديد نطاق مشروعية حق الإضراب، خجولة سواء في ما يتعلق بتحديد أشكاله وأهدافه بحيث اكتفى بتأكيد مشروعية كل من الإضراب المبرقع (حكم محكمة الاستئناف بمكناس الصادر بتاريخ 30 مارس 1982) والإضراب المفاجئ (استنتاجا من حكم المحكمة الابتدائية بأكادير الصادر في 21 شتنبر 1982) والإضراب التضامني المحصور في المؤسسة الواحدة (حكم المحكمة الابتدائية بالبيضاء الصادر في 6 يناير 1984 المشار إليه أعلاه).

    إلا أن هذه المواقف المشرقة للقضاء المغربي لم تكن هي المنحى العام الذي استقر عليه القضاء في اتجاه تكريس مشروعية حق الإضراب، بل سيلاحظ وبمناسبة بعض حركات الإضراب الواسعة ميله لاتجاه التقليص من نطاق مشروعية هذا الحق وذلك بالاعتماد على تقنيات قانونية خاصة تختلف عما اعتمده القضاء الفرنسي لإخراج العديد من أشكال وأهداف الإضراب من مجال المشروعية.

    وهكذا يمكن التمييز، بالنسبة للقضاء المغربي ـ عند عزمه التصريح بعدم مشروعية بعض الإضرابات بين موقف ثابت متمثل يف التطبيقات القضائية للنصوص التشريعية المقلصة لنطاق مشروعية حق الإضراب(I) وموقف متغير خاضع لتقلبات المناخ السياسي العام ونوعية وسعة الإضراب المصاحب لهذا الظرف وهو الموقف المتمثل في "الاجتهادات القضائية القسرية" المطبقة في حق المضربين(II).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (10)رقم: 8375 غير منشور.
    (11)رقم: 29 منشور بالمجلة المغربية للقانون عدد 3. يوليوز ـ غشت: 1986. ص 178 ـ 181.
    (12)عدد 2027 منشور بمجلة المحاكم المغربية العدد 39 ـ شتنبر ـ أكتوبر 1985. ص 191. 194.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    I ـ بالنسبة للموقف الأول يلاحظ ـ وباستثناء ظهير 19 يناير 1946(13) أن القضاء المغربي لم يتردد في تطبيق كل النصوص القانونية المقيدة لحرية ممارسة حق الإضراب، حيث يمكن الإشارة بصفة خاصة إلى شيوع لجوئه إلى الفصل 288 من القانون الجنائي لمعاقبة المضربين، من نماذج ذلك نذكر:

    ـ قرار المجلس الأعلى الصادر في 12/12/1973(14).
    ـ حكم محكمة الاستئناف بأكادير الصادر بتاريخ 8 مارس 1982(15).
    ـ حكم محكمة الاستئناف بمراكش الصادر بتاريخ 28 يونيه 1982(16).

    كما يلاحظ أيضا سيادة استعمال تقنية الخطأ الجسيم لترتيب أثره القانوني في حق المشرب والمتمثل في طرده من عمله دون أية تعويضات وذلك بالالتجاء إلى تطبيق النص العام الذي يتضمن لائحة بالأخطاء الجسيمة (الفصل 6 من النظام النموذجي) في حين اعتمد القضاء الفرنسي على نص خاص بأثر ارتكاب المضرب لخطأ جسيم (قانون 11 فبراير 1950 الفصل الرابع).

    II ـ أما بالنسبة للموقف الثاني الذي يصل في نهايته إلى حد المس أصلا بمبدأ مشروعية حق الإضراب، فيتعمد فيه القضاء على تقنيات قانونية متعددة يمكن الإشارة منها إلى اثنتين أساسيتين.

    1)الاعتماد على ظهير 29 يونيه 1935 المعروف بظهير "كل ما من شأنه" الذي يعاقب على الإخلال بالنظام العام والأمن من نماذج ذلك نشير إلى:
    ـ قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 18/12/1973(17).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (13)فإضافة إلى حكم محكمة الشغل بالبيضاء لسنة 1962 المشار إليه أعلاه نجد أن القضاء المغربي قد ذهب إلى حد التصريح... بالاوجود فعلا لهيئات المصالحة والتحكيم، وبذلك يتعذر تطبيق الفصل 1 من ظهير 19 يناير 1946 (الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالبيضاء بتاريخ 11 يونه 1984 السابق الذكر).
    (14)أشار إليه الأستاذ أحمد العواني في أطروحته:
    « Introduction à l'étude du droit du travail marocain : Nouvelles tendances dans une société en changement » Thèse de Doctorat d'Etat. PARIS I. 1982. P 479.
    (15)غير منشور.
    (16)غير منشور. رقم 4081.
    (17)أشار إليه الطاموني محمد في رسالته:
    « La responsabilité de l'employeur pour rupture abusive du contrat du travail à durée indéterminée » Mémoire de DES -Rabat. 1983. P 40.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    ـ قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ فاتح شتنبر 1983(18) الذي اعتبر التحريض على الإضراب عملا من شأنه الإخلال بالنظام العام طبقا لظهير 29 يونيه 1935.

    2)الاعتماد على ظهير 16 يوليوز 1957 الذي يحصر صلاحيات النقابات في الدفاع عن المصالح الاقتصادية لمنخرطيها، وذلك من أجل إقصاء الإضرابات ذات المضامين السياسية والتضامنية من مجال مشروعية حق الإضراب.

    وقد عبر عن هذا الموقف في بعض القرارات القضائية نذكر منها على سبيل المثال مجموعة من الأحكام التي صدرت عن المحكمة الابتدائية لمدينة المحمدية بتاريخ 21 شتنبر 1979(19).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (18)منشور بـ "مجموعة قرارات المجلس الأعلى ـ المادة الجنائية: 1966 ـ 1986" المعهد الوطني للدراسات القضائية ـ وزارة العدل ـ منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية ـ 1987.
    (19)أوردها طاموني محمد المرجع السابق.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    ثالثا: تصاعد مواقف الخصم الاجتماعي والسياسي المتعارضة مع الاعتراف الدستوري بحق الإضراب.
    نقصد بالخصم الاجتماعي الباترونا من خلال ردود فعلها المختلفة والمضادة لحركات الإضراب(أ) وبالخصم السياسي بعض أطراف التحالف الحكومي من خلال موقفها من هذه الحركات خطابا وممارسة (ب).

    أ ـ فحول موقف الباترونا المغربية من حركات الإضراب لا نبالغ إذا قلنا إنه لا يقل في مضمونه عنفا من موقف الباترونا في عهد الاستعمار حيث تكريس العديد من الممارسات العدوانية ضد المضربين في جميع مراحل الإضراب.

    ـ فيف مرحلة الإعلان عن الإضراب تجتهد الباترونا في خلق أساليب المناورة لتفاديه من مساومات ووعود غير صادقة لتحقيق المطالب أو التعنت أولا في فتح الحوار بشأنها...

    ـ وخلال سريان الإضراب كثرت الوسائل الهادفة إلى الحد من فعاليته أو تكسيره مثل تعويض المضربين بعمال جدد أو فرض العطلة السنوية خلال فترة الإضراب ناهيك عما وصلت إليه ممارسات بعض أرباب العمل التي تمس بشخص العامل المضرب من إيذاء وعنف..

    ـ أما بعد انتهاء الإضراب فلا تتردد الباترونا في الانتقام من المضربين بأشكال مختلفة من انتقالات تعسفية وتسريحات فردية أو جماعية، بل وأحيانا إغلاق المؤسسة كإجراء مضاد لحركة الإضراب.

    وحتى مع افتراض نجاح حركة الإضراب واضطرار رب العمل لقبوله تحقيق بعض المطالب وتوقيع تعهدات بذلك يطلق عليها عادة "بروتوكولات ما بعد الإضراب" فغالبا ما يتم خرقها فيما بعد على الرغم من أنها توقع في الغالب بحضور مفتش الشغل وممثل عن السلطة العامة.

    ب ـ أما عن موقف الحكومة فمعلوم أنها تظل دائما ذات حساسية مفرطة تجاه حركات الإضراب خاصة إذا كان من نوع الإضراب العام أو إضراب الموظفين، بل وتحاول تبرير عدم مشروعيتها من خلال خطابها السياسي حول هذين الصنفين من الإضراب، ناهيك عما ترتبه من جزاءات ضد المشاركين فيه.

    ـ فعلى مستوى الخطاب الحكومي: يلاحظ إصراره العنيد على خوض جدل مشروعية حق الإضراب في كل مناسبة إضراب عام أو إضراب الموظفين وذلك في اتجاه إهدار هذا الحق واعتمادا على مبررات عديدة نذكر منها بإيجاز:
    ـ الإضراب العام إضراب سياسي يؤدي إلى المس بالنظام العام والأمن ومن ثم فلا يمكن قبوله انسجاما مع العادات والتقاليد الجارية في البلدان الديموقراطية(20).

    إن الظرفية السياسية المرتبطة بالقضية الوطنية لا تسمح بشن إضرابات عامة، وأن المشاركين أو الداعين إلى هذه الإضرابات هم غير وطنيين.

    إن الإضراب أيا كان نوعه يظل غير مشروع في غياب القانون التنظيمي الذي وعد الدستور بإصداره (21).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (20)من البلاغ الحكومي الصادر عن وزارة الإعلام بتاريخ 5 دجنبر 1990.
    (21)عن هذا النوع من الخطاب الحكومي راجع على سبيل المثال: راجع بعض افتتاحيات وزير الدولة السيد أحمد العلوي من خلال:
    « Le Matin du Sahara du Mercredi 24 Janvier 1979 « Les grèves, défense nationale et développement économique » « Maroc Magazine » : « Le mouvement antisocial et antinational » 8-4 Avril 1979 et « Le Matin du Sahara e t du Maghreb du 7 Décembre 1990. N° 7258.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    أما على مستوى الممارسة الحكومية: فيلاحظ أن الحكومة ولمدة طويلة ظلت رافضة لفتح الحوار مع المنظمات النقابية ولا تقبله في ظروف معينة إلا من منطلق الاحتواء واختبار القوة، بل ولا تبدي استعدادها لتلبية مطالب المضربين إلا من منطلق تفادي الإضراب أو تكسيره، كما حصل مثلا عند اتخاذ الكونفدرالية الديموقراطية للشغل لقرار إضراب 19 أبريل 1990...

    كما اعتادت الحكومة عند الإعلان عن الإضراب على إصدار المنشورات والمذكرات والبلاغات لتهديد العازمين على المشاركة في الإضراب بعقوبات وجزاءات جنائية مثل منشور الوزير الأول لأبريل 1979 والبلاغ الحكومي ليوم 5 دجنبر 1990...

    هكذا إذن نستنتج في نهاية هذا المحور الأول سيادة شبه نظام قانوني قمعي متعارض مع الاعتراف الدستوري بحق الإضراب ساهم في بلورته المشرع والقضاء والتقاليد المكرسة في علاقة النقابات بأرباب العمل والسلطة العامة. كل ذلك جعل الإلحاح في طرح مبدأ (إصلاح هذا النظام ضرورة مستعجلة).

    المحور الثاني: المداخل الأساسية للإصلاح.
    لا نطح في إطار هذا المحور الثاني طرح مقترحات جاهزة مكتملة العناصر لوضع نظام للإضراب على المشرع الأخذ به عند عزمه الخروج عن صمته وتنظيم ممارسة هذا الحق، بقدر ما نتوخى مجرد تحديد لملامح بعض المداخل الأساسية التي يظل الانطلاق منها ضروريا للتفكير في إصلاح هذا النظام بأفق تدعيم المشروعية الدستورية لحق الإضراب وتقوية حمايته القانونية.

    ونعتقد أن تحقيق هذه الغاية مسؤولية يتحمل عبئها جميع الأطراف المعنية بنزاعات الشغل الجماعية وظاهرة الإضراب على الخصوص، ونعني بها أساسا كلا من المؤسسة التشريعية من جهة أولى (أولا) والمؤسسة القضائية من جهة ثانية (ثانيا) وأطراف النزاع من جهة ثالثة (ثالثا).

    أولا: فعلى مستوى مسؤولية المشرع: فقد بات ملحا تجاوز موقف الصمت وإخضاع ممارسة حق الإضراب لقوة القانون بدل "قانون القوة" الذي يحكمها سواء في علاقة المنظمات النقابية بالمشغل أو بالسلطة العامة بمناسبة الإضراب (I، هذا علاوة على ضرورة إلغاء كل النصوص التشريعية المقيدة لحرية ممارسة هذا الحق والتي أضحت متعارضة مع الاعتراف الدستوري المبدئي بحق الإضراب (II).

    ـ ففي تقديرنا سيحقق إصدار القانون التنظيمي المنتظر عدة أهداف أساسية منها على الخصوص:
    1)ضبط تنظيم تشريعي واضح للعلاقة بين أطراف النزاع في جميع مراحل الإضراب قبل شنه وأثناء سريانه وبعد انتهائه طالما لا تسعف المبادئ القانونية العامة في حسم العديد من الإشكالات التي ظلت معلقة.

    وهكذا سيمكن تنظيم ممارسة حق الإضراب من تنظيم العلاقة سواء بين النقابة وقواعد العمال عند اتخاذ قرار الإضراب أو بينها ورب العمل بخصوص قبوله أو رفضه الحوار بشأن المطالب المطروحة عليه حيث الصمت التشريعي عن تنظيم العلاقة بين الممثل النقابي وبين رب العمل خلافا لعلاقة هذا الأخير بمندوب العمال.

    أما أثناء سريان الإضراب فيكون على المشرع الحسم في مصير عقد الشغل بالنسبة للعمال المضربين وكذا مصير الحقوق الناتجة عن هذا العقد من أجر وتعويضات وامتيازات مادية وعينية، علاوة على ضرورة ضمان حقوق العمال غير الراغبين في المشاركة في حركة الإضراب سواء في علاقتهم برب العمل أو بالعمال المضربين.

    كما بات ضروريا ضبط العلاقة بين أطراف النزاع بعد انتهاء حركة الإضراب خاصة مع تصاعد ردود الفعل المختلفة لأرباب العمل تجاه المشاركين في الإضراب كما تم الكشف عن ذلك سابقا.

    وعموما يتمثل الهدف من القانون التنظيمي إرساء القواعد القانونية المنظمة لحقوق والتزامات أطراف النزاع بمناسبة الإضراب.

    2)الهدف الثاني الذي ينتظر تحقيقه بإصدار القانون التنظيمي فيتمثل في تحديد مسؤولية تدخل كل من الجهاز (من مفتشية الشغل وسلطة عامة) والجهاز القضائي بمناسبة حركات الإضراب وذلك لما لاحظناه سابقا من هامش واسع للجهاز الإداري للتدخل في هذه الحركات وبسبب نوعية التأويلات القضائية للنصوص التشريعية المقيدة لحرية ممارسة حق الإضراب.

    3)أما الهدف الثالث المتوخى من تنظيم ممارسة حق الإضراب، فهو العمل على تفادي تلك القراءات الرسمية لبعض أطراف التحالف الحكومي بل ولبعض رجال القضاء(22) التي ترمي إلى تعليق مشروعية حق الإضراب على صدور القانون التنظيمي علاوة على تفادي تلك التأويلات الغامضة للسلطة العامة حسب الظروف السياسية المصاحبة لحركة الإضراب والرامية إلى الطعن في مشروعية الإضراب كلما اتخذ مدى واسعا في حين أن الإضراب العام يظل مشروعا طالما لا يطعن في مشروعية السلطة السياسية بقدر ما يحاكم السياسة الاقتصادية للحكومة.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (22)مثال ذلك تصريح لوكيل الملك في جلسة محاكمة بعض القادة النقابيين للك.ر.ش. على إثر إضراب 20 يونيه 1981 (أشار إليه الأستاذ أحمد العواني في أطروحته المشار إليها أعلاه. ص 400).
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    وإذا كان البعض من الفقه المغربي وكذا جل النقابات وخاصة: ا.ع.ش.م.و.ك.د.ش. مازالوا يتحفظون، ومن حيث المبدأ على تنظيم ممارسة حق الإضراب من منطلق التخوف من أن يقيد هذا القانون هذه الممارسة عوض تكريس مبدأ المشروعية خاصة مع طبيعة ميزان القوة السائد في المؤسسة التشريعية فإننا نقدر أن تخوفها غير مبرر سواء من الناحية القانونية أو الواقعية.

    فمن الزاوية القانونية لا يفترض بداهة أن يتعارض مضمون القانون التنظيمي من حيث المبدأ ـ مع دستورية حق الإضراب انسجاما مع ما يعرف بالسمو الدستوري الذي يفترض احترام كل القوانين لمقتضيات الدستور وفرض هذا الاحترام على كل من الحاكمين والمحكومين، وطالما أن هذا الجنس الجديد من القوانين يعتبر محميا بشكل مضاعف قياسا للقوانين العادية حيث ضرورة مراقبته من طرف الغرفة الدستورية، وطالما أن جميع القوانين التنظيمية التي صدرت بالفعل في مجالات مختلفة لم تخالف المبادئ المقررة في الدستور، ناهيك عن أن الغاية من إصدار هذا القانون تظل فقط تنظيم العلاقة بين أطراف النزاع دون أن يعني ذلك، البتة تعطيل ممارسة هذا الحق إلى حين صدور هذا القانون.

    ـ أما من الزاوية الواقعية، فإن الموقف المتحفظ من تنظيم ممارسة حق الإضراب يظل ـ في نظرنا ـ متجاهلا للدينامية المتجددة لأي نضال نقابي أو سياسي، وسجينا للظرفية السياسية الراهنة ذات المؤشرات المحبطة لطموحات الطبقة الشغيلة وذلك اعتبارا إلى أن فرض تنظيم ممارسة هذا الحق وأيا كانت طبيعة هذا التنظيم وحدوده، يظل محطة من محطات النضال النقابي، وحيث أن تنظيم الحقوق في مرحلة أولى يفتح آفاق جديدة للنضال من أجل تطوير هذه الحقوق وفرض احترامها، بل وسيصبح الاقتناع بمطلب تنظيم هذا الحق منسجما مع مطالب المنظمات النقابية والحقوقية والسياسية التي ما فتئت تطالب بإرساء دعائم دولة القانون والحق.

    أضف إلى ذلك، وفي ضوء ما لاحظناه سابقا، أن الإضراب الذي يندلع خارج أي تنظيم تشريعي قد لا ينفلت من التنظيم القانوني سواء كان تشريعيا أو قضائيا عن طريق تطبيق نصوص قانونية جاهزة منذ عهد الاستعمار لقمع هذا الإضراب.

    ولا نبالغ إذا قلنا، وبمنظور بعيد المدى، أن التنظيم التشريعي هو المصير المحتوم لممارسة حق الإضراب بفعل تصاعد حركية الاهتمام بالمجال الحقوقي وبروز بوادر تقدم نوعي بالوعي بنجاعة النضال الحقوقي، يؤكد ذلك أن العديد من التشريعات قم انتبهت إلى ضرورة هذا التنظيم مثل فرنسا بالنسبة للإضراب في القطاع العام منذ قانون يوليوز 1963 والجزائر منذ مصادقة البرلمان على مشروعين حكوميين في 27 يناير 1990 يتعلقان بضبط المصلحة الدنيا الإجبارية في العديد من القطاعات الحيوية(23).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (23) راجع الإشارة إلى هذا القانون في جريدة "العلم" ليوم الثلاثاء 30 يناير 1990 العدد: 1.4425 السنة 44 ص 1.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    هذا في وقت يلاحظ فيه استمرار نية المشرع المغربي العزوف عن تحمل مسؤوليته في تنظيم نزاعات الشغل الجماعية حيث الغياب المطلق لأي نظام قانوني للوسائل السلمية لحل هذه المنازعات في مشروع مدونة الشغل الجديدة وهو الموقف الذي لن يكون من مخلفاته سوى ترك علاقة القوة الضابط الوحيد "المنظم" لهذه المنازعات.

    II ـ أما الجانب الثاني في مسؤولية المشرع التي تقتضي تكريس المشروعية الدستورية لحق الإضراب وضمان حمايته، فيتمثل في أن إصدار القانون التنظيمي يجب أن يواكبه إلغاء كل التشريعات المعرقلة لحرية ممارسة هذا الحق، ونقصد بها على الخصوص ظهير (أ) ظهير 13 شتنبر 1938 (ب) ظهير 19 يناير 1946(ج) الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 (د) والفصل 288 من القانون الجنائي (هـ).

    أ ـ فمعلوم أن ظهير 29 يونيه 1935 الذي يعاقب على المس بالنظام العام والأمن وضع من طرف الإدارة الاستعمارية بخلفية قمع الحركة الوطنية والعمالية آنذاك، فكيف ما زال يطبق قسرا، ضد مضربيي عهد الاستقلال؟

    ب ـ أما ظهير 13 شتنبر 1938 الذي أقر التسخير فلا يعدو أن يكون مجرد ذريعة لتوقيف حركات الإضراب من جانب السلطة العامة بدعوى المحافظة على الأمن وراحة وصحة المواطنين خاصة في حالة الحرب في حين شهد تطبيقا في المغرب على الرغم من عدم توفر هذا الظرف (1971 ـ 1973)، ناهيك عن أن هذا النظام، إذ يتأسس على احتمالات الاضطرابات الجسيمة التي قد تنتج عن الإضراب، يتجاهل كنه هذا الأخير الذي لا يمكن أن يكون ناجحا وعالا إلا إذا أدى بالفعل إلى "نوع" من الاضطراب وللضغط على الخصم وإلا انحصر دوره في مجرد الإنذار.

    هذا فضلا عن أن استمرار المشرع الأخذ بهذا النظام يضعه في موقف غريب وهو الذي صادق منذ سنة 1966 على الاتفاقية الدولية رقم 105 التي حرمت أعمال السخرة.

    ج)وبخصوص ظهير 19 يناير 1946 فيظل هو أيضا مجرد تقنية قانونية لعرقلة حرية ممارسة حق الإضراب من أجل احتوائه وتضييق هامش الحرية في ترك المنظمات النقابية، إضافة إلى أن هذا النظام لا يضمن حياد الدولة نظرا لطغيان الطابع الإداري في تشكيلية هيئة المصالحة والتحكيم وفي حين أصبحت الدولة طرفا أساسيا في نزاعات الشغل ومن ثم فلا يعقل أن تنصب نفسها خصما وحكما في نفس الوقت.

    د) أما من الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 فقد أصبح واضحا حتى بالنسبة لبعض أطراف التحالف الحكومي خلال المناقشات التي عرفها البرلمان المغربي بمناسبة إضراب 14 دجنبر 1990، أنه بات ضروريا تجاوز هذا الموقف التشريعي بعد صدور الدستور الضامن صراحة ممارسة حق الإضراب دون تمييز بين قطاع خاص أو عام بل إن مشروعية إضراب الموظفين تستنتج بشكل واضح فقط من مفهوم مخالفة النصوص التشريعية التي صدرت فيما بعد لتمنع صراحة الإضراب على بعض الفئات المحدودة العاملة في القطاع العام.

    هـ ـ وفي ما يتعلق بالفصل 288 من القانون الجنائي الذي يعاقب المضربين على فعل المس بحرية الشغل فإن اقتراحنا بإلغائه لا يعني تشجيع الإضراب المصطحب بالعنف ضد العمال غير المشربين، بل نرى ترك المقتضيات العامة للقانون الجنائي تفعل فعلها حسب كل حالة على حدة والمقصود بها تلك المتعلقة بالإيذاء والعنف والتهديد ووسائل التدليس الموجهة ضد الأشخاص عموما (الفصول: 400، 425، 427 و540) دون ضرورة تخصيص المس بحرية الشغل بجريمة خاصة وعقوبة خاصة هي أشد قسوة من العقوبات المطبقة على مثل تلك الأفعال في ظروف غير ظرف الإضراب، وإلا فإن المنطق السليم يقتضي، بالموازاة تجريم المس بحرية الإضراب الذي يعتبر كحق دستوري أولى بالحماية الجنائية.

    وعموما يمكن القول بالنسبة لجل هذه النصوص بأنها:
    1)صدرت في أغلبها في عهد الاستعمار ومازال العمل بها يكشف عن تبعية القانون المغربي للقانون الفرنسي، تبعية مشوهة أحيانا لا تراعي خصوصية تطور النظام القانوني للإضراب بالمغرب الذي استلهم مثلا جريمة المس بحرية الشغل من القانون الفرنسي الذي عرف، بالفعل مرحلة تجربة الإضراب، في حين لم يعرف المغرب أبدا هذه المرحلة.

    2)إن أغلب النصوص السابقة تخضع ممارسة الإضراب في بعض الحالات لعقوبات قاسية في حين أصبحت هذه الممارسة مشروعة دستوريا.

    3)إن هذه النصوص تفرض قيودا على ممارسة حق الإضراب خارج أي تنظيم تشريعي حقيقي سواء في القطاع العام أو الخاص.

    4)إن هذه النصوص تطرح إشكالية قيمتها القانونية والجهة القضائية المختصة في مراقبة مدى دستوريتها(24).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    (24)للمزيد من التفصيل حول مناقشة هذه النصوص التشريعية المقلصة لنطاق مشروعية حق الإضراب راجع:رسالة الشرقاني محمد "مدى مشروعية الإضراب العمالي بالمغرب". كلية الحقوق بالرباط. السنة الجامعية: 1990 ـ 1991. ص 292 ـ 353.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    ثانيا: أما على مستوى القضاء: في إطار البحث عن بعض المداخل لإصلاح نظام الإضراب، فتظل مرتبطة بإصلاح القضاء الاجتماعي أيضا، بحيث لا يتصور للقضاء المغربي، في إطار اختصاصاته الحالية، أن يلعب دورا أساسيا في تدعيم حماية حرية ممارسة حق الإضراب دون تخويله اختصاصات البث في نزاعات الشغل الجماعية وفي إطار قضاء اجتماعي استثنائي متخصص ومستقل كما سارت على ذلك العديد من التشريعات الحديثة الأوربية منها والعربية.

    وبديهي أن القضاء المغربي وحتى مع فرض تخويله صلاحية البث في النزاعات المذكورة، لا يمكن أن يساهم في تكريس المشروعية الدستورية لحق الإضراب، في غياب المصدر التشريعي المتمثل في القانون التنظيمي المنتظر والذي سيكون السند القوي ـ بجانب الفصل 14 من الدستور ـ الذي سيسعف القاضي في البث بشأن العديد من الإشكالات العملية التي مازالت معلقة، وهو المصدر التشريعي الذي سيغنيه عن تطبيق القوانين الاستعمارية السابقة الذكر والتي نطرح إلغائها.

    علاوة على أن التنظيم التشريعي سيفتح المجال أمام القضاء لتوحيد أحكامه التي أضحت تتضارب في بعض الحالات فتكون قاسية مرة وأقل قسوة مرة أخرى وذلك سحب الظروف السياسية وليس حسب ملاءمة الأحداث والوقائع لنصوص القانون وحيث يصبح القاضي حاكما بعقلية "السياسي لا القانوني".

    وفي انتظار هذا الإصلاح المنشود في صلاحية القضاء بالارتباط مع إصدار القانون التنظيمي، نعتقد أن القاضي المغربي بإمكانه وهو يبث في قضايا الإضراب ـ كنزاع فردي ـ أن يتمسك بالدستور كسند قوي للتصريح بمشروعية حق الإضراب أو مراقبة "ممارسة هذه المشروعية"، كما بإمكانه أن يساهم في ملء الفراغ
    التشريعي بخلق بعض القواعد المنظمة لعلاقة المضربين بالمشغل كما فعل بالضبط عندما استقرت اجتهاداته ـ وفي غياب أي نص قانوني ـ على ترتيب أثر توقف عقد الشغل إثر ممارسة الإضراب المشروع.

    كما لا تخفى أيضا خطورة طبيعة التكييف القضائي للخطأ الجسيم المرتكب بمناسبة الإضراب وخاصة على وضعية مندوب العمال والممثل النقابي بضرورة الانتباه إلى أن الفصل 6 من النظام النموذجي المتضمن للائحة الأخطاء الجسيمة يظل نصا ينطبق على حاله ارتكاب العامل لخطأ جسيم أثناء تنفيذ عقد الشغل وليس توقفه وحيث يجعل الإضراب العامل خارج سلطة وتبعية المشغل، لذلك نقترح ـ بجانب بعض الفقه الفرنسي اعتبار الخطأ الجسيم المرتكب من طرف العامل المضرب مجرد خطأ يسير أو بصيغة أخرى اشتراط خطأ ذي خطورة أكبر في حالة الإضراب عنه في حالة تنفيذ الشغل اعتبارا لمناخ التوتر الذي يسود عادة المؤسسة خلال ظرف الإضراب.

    ثالثا: أما بخصوص حدود مسؤولية أطراف النزاع في إصلاح نظام الإضراب بأفق تكريس مشروعية هذا الحق سواء بالنسبة للمنظمات النقابية (I) أو أرباب العمل (II).

    1)فلعل أول مهمة مازالت مطروحة على عاتق المنظمات النقابية هي إعادة النظر في موقف التحفظ من تنظيم ممارسة حق الإضراب وذلك للأسباب العديدة التي فصلناها سابقا، خاصة وأن التنظيم الفعلي الذي تكرس في تقاليد علاقة المنظمات النقابية بالمشغلين والجهاز الإداري بمناسبة الإضراب والذي يمكن تسميته بـ "تنظيم الأمر الواقع" لم يكن من شأنه أن يضمن حماية حرية ممارسة هذا الحق من التحديات التي تواجهها.

    وفي انتظار اقتناع هذه المنظمات النقابية بجدوى هذا المطلب الذي يندرج في إطار النضال الحقوقي الذي نراه شاحبا في النضال النقابي العام، يظل مطروحا على عاتقها أيضا تحمل مسؤوليتها في ممارسة الحقوق التي يمنحها إياها القانون للدفاع عن مصالح منخرطيها بمساندة العمال "ضحايا" ممارسة حق الإضراب عن طريق النيابة عنهم أمام القضاء.

    وقبل كل ذلك مواصلة المطالبة بتوفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المناسبة لارتقاء الإضراب إلى مستوى السلاح الفعال والقادر على انتزاع المكتسبات الجديدة للطبقة الشغيلة علاوة على تعزيز التضامن النضالي بين المركزيات النقابية الكفيل بتحقيق هذا الغرض.

    2)أما بالنسبة لأرباب العمل وحيث لم يعد الخطاب المستهدف لضميرهم ووعيهم ودورهم في الاقتصاد الوطني بقادر على تلطيف حساسيتهم المفرطة تجاه حركات الإضراب، فقد بات ضروريا تحمل الدولة لمسؤوليتها في فرض احترام الحقوق الدستورية وحمايتها من تجاوزات الطرف الاقتصادي القوي، وذلك اعتبارا إلى أن الدولة ليست دولة الطبقة الواحدة، بل دولة كل طبقات المجتمع المدني.

    وكخاتمة لهذه المداخلة يمكن العودة إلى البدء للقول بأن غياب تنظيم تشريعي لممارسة حق الإضراب ـ وبجانب عوامل أخرى مختلفة الجوانب قد أفرزت بالمقابل نظاما قانونيا للإضراب تكرس سواء على مستوى الساحة القضائية أو في الخطاب السياسي الرسمي، وهو النظام الذي أريد له أن يكون ـ قسرا ـ بديلا عن القانون التنظيمي الموعود به من طرف واضع الدستور وليظل حق الإضراب "حبيسا" بين مبدأ دستوري ونصوص قانونية تتنافى في روحها مع الاعتراف الدستوري بهذا الحق، بل إن تغييب المراقبة على مشروعة حق الإضراب بإقصاء الجهاز الإداري ممثلا في مفتشية الشغل وكذا الجهاز القضائي من مجال المساهمة في الفض والبث في نزاعات الإضراب، جعلت هذا الأخير يبدو، أحيانا، كالظاهرة الاجتماعية الخارجة عن إطار الحق والقانون.

    لذلك جاء نداؤنا عاليا لإصلاح نظام الإضراب كما طرحنا ملامحه الأساسية وذلك على قاعدة شخصية بلورتها إفرازات تجارب الأمس ومفتوحة على احتمالات الغد ومستقبل نزاعات الشغل الجماعية التي يجب في تقديرنا أن تخضع لقبضة القانون: قانون يكرس المشروعية الدستورية لحق الإضراب ويظل مضمونه المتوقع خاضعا، بداهة لحتمية التطور المضطرد للقانون المنظم لعلاقات الشغل والمرتبط طبعا بحتمية تطور المؤسسات والبنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمع المغربي.
    جميع الحقوق محفوظة ل MarocDroit Avocat
    تصميم : Abdo Hegazy